البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٤١ - الثالث جواب السيد الشهيد
فهنا سوف يزن المولى درجة اهتماماته بمحرماته و مباحاته، أي: أنه يجري موازنة بين ملاكات المحرمات الواقعية و ملاكات المباحات الواقعية، فإن كانت ملاكات المباحات الواقعية عنده أهم و أقوى من ملاكات المحرمات الواقعية، بحيث كان اهتمامه بأن يرى المكلف مطلق العنان أقوى من اهتمامه بأن لا يقع المكلّف في بعض المفاسد الواقعية، ففي هذه الحالة، يرخص في تلك المحتملات جميعاً و إن أدى ذلك إلى خسارة بعض الملاكات الواقعية، و هي ملاكات الحرمة الواقعية بحسب الفرض.
و هذا ترخيص ظاهري ناشئ عن الملاك الاقتضائي للإباحة الواقعية و الحرص على تحقيقه، و هذا الترخيص الظاهري، سوف يشمل المباح الواقعي و الحرام الواقعي أيضاً، و لا يكون منافياً لحرمته؛ لأنه غير ناشئ عن ملاك للإباحة في نفس متعلقه، بل هو ناشئ عن ملاك الإباحة في المباحات الواقعية و الحرص على ضمانها.
و إن كانت درجة اهتمامه بالمحرمات الواقعية أشد و أقوى من درجة اهتمامه بالمباحات الواقعية، بحيث كان مهمّاً جداً عند المولى بأن لا يقع المكلف في مفسدة واقعية و إن أدى ذلك إلى التضييق عليه في ما هو مباح واقعاً، من باب الحفاظ على ما هو الأهم من الملاكات الواقعية بنظره، فسوف يمنع عن ارتكاب كل ما يحتمل المكلّف حرمته؛ ضماناً للحفاظ على ذلك الأهم.
و بهذا، يتضح أن الأحكام الظاهرية خطابات تعيّن و تحدد ما هو الأهم من الملاكات و المبادئ الواقعية، حينما يتطلب كل نوع منها الحفاظ عليه بنحو ينافي ما يضمن به الحفاظ على الآخر عند التزاحم الحفظي [١]، الذي يحصل عند المولى نتيجة
[١] هذا المعنى هو الظاهر أيضاً من كلمات المحقق النائيني، حيث قال في فوائده ج ٣ ص ٦٢١: «الأمر الثاني: قد تقدم في بعض المباحث السابقة، أن ملاكات الأحكام تختلف من حيث الأهمية، فقد يكون الملاك بمثابة من الأهمية في نظر الشارع بحيث يقتضي تحريم جملة من المحللات ظاهراً؛ لإحراز الملاك و التحفظ عليه، و قد لا يكون الملاك بتلك المثابة من الأهمية، فلو كان الملاك ثبوتاً مما يلزم رعايته فعلى الشارع بيان ذلك، بجعل المتمم من إيجاب الاحتياط في موارد الشك ...».
و قال- أيضاً- في ص ١١٥: «فلو كانت مصلحة الواقع مهمّة في نظر الشارع كان عليه جعل المتمّم- كمصلحة احترام المؤمن و حفظ نفسه- فإنّه لما كان حفظ نفس المؤمن أولى بالرعاية و أهم في نظر الشارع من مفسدة حفظ دم الكافر، اقتضى ذلك تشريع حكم ظاهري طريقي بوجوب الاحتياط في موارد الشك، تحرّزاً عن الوقوع في مفسدة قتل المؤمن، و هذا الحكم الطريقي إنّما يكون في طول الحكم للواقع نشأ عن أهمية المصلحة الواقعيّة».