البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٣٩ - الثالث جواب السيد الشهيد
و هذا التحريم و المنع يكون منعاً ظاهرياً ناشئاً عن مبغوضيّة المحرمات الواقعية و الحرص على ضمان اجتنابها.
و في مقابل ذلك، إن كانت الإباحة في المباحات الواقعية ناشئة من خلوّ الفعل عن الملاك، و لم تنشأ من ملاك اقتضائي كإطلاق العنان- مثلًا-، فلا يجد المولى أي مانع يحول بينه و بين إصدار ذلك المنع و التحريم؛ لأنّ هذا المنع لا يخسّره أي ملاك كما هو واضح. فلا يوجد أي تزاحم في عالم حفظ الملاكات في مثل هذا الفرض؛ لأنّ التزاحم لا يتصور إلّا مع وجود ملاكين يقتضي حفظ أحدهما ضياع الآخر، و في المقام لا يوجد إلّا ملاكات المحرمات الواقعية، و لا شك أن مقتضى الحفاظ عليها، هو إصدار ذلك المنع، و الذي سيشمل الحرام الواقعي و المباح الواقعي إذا احتمل حرمته، و في حالة شموله للمباح الواقعي لا يكون منافياً لإباحته؛ لأنه- أي هذا المنع- لم ينشأ عن مبغوضيّة في نفس متعلّقه.
و على هذا، فحرمة أكل لحم الأرنب ظاهراً على تقدير إباحته واقعاً، لم تنشأ من مبغوضيّة في نفس أكل لحم الأرنب، بل هي ناشئة من مبغوضيّة تلك المحرمات الواقعية و الحرص على ضمان اجتنابها.
هذا إذا كانت الإباحة لا اقتضائية و أما إذا كانت الإباحة ناشئة عن ملاك اقتضائي بوجود ما يقتضي جعل الإباحة لفعل ما كإطلاق العنان- مثلًا-، لا مجرّد خلو الفعل المباح عن أي ملاك يقتضي الالزام فعلًا أو تركاً، ففي هذه الحالة، سوف يقع التزاحم في مقام حفظ تلك الملاكات؛ فإنّ الإباحة بحسب هذا الفرض تدعو- حفاظاً عليها- إلى الترخيص في كل ما يحتمل إباحته من أفعال، خلافاً للحرمة التي تدعو- للحفاظ عليها- إلى المنع عن كل ما يحتمل حرمته.
و في هذه الحالة، و حيث إن المولى لا مناص له أن يخسر أحد الملاكين الواقعيين كما ذكرناه سابقاً، من أنه إما أن يرخص في كل المحتملات أو يمنع عن ارتكابها جميعاً، فسوف يقع عنده التزاحم في مقام حفظ هذه الملاكات، و هو ما يسمى بالتزاحم الحفظي تمييزاً له عن التزاحم الامتثالي أو التزاحم الملاكي [١].
[١] اعلم أن التزاحم على أقسام ثلاثة: الأول: التزاحم الملاكي: و يقصد به وقوع التنافي بين مقتضيات الأحكام و ملاكاتها في مقام التأثير، كما في مورد اجتماع الأمر مع النهي بناءً على القول بالامتناع، فهنا سوف يقع التنافي بين مقتضي النهي و مقتضي الأمر، و لا يمكن تأثير كلا المقتضيين، و كذلك لو وجد في فعل ما مقتضيان و ملاكان و تنافيا في مقام التأثير، و هما مقتضي الوجوب و مقتضي الحرمة، كما لو افترضنا أنّ فعلًا ما فيه مصلحة معيّنة و لكنّه فيه مفسدة أيضاً، فلا يمكن أن يكون كل واحد من هذين المقتضيين مؤثراً؛ لأنّ المصلحة تقتضي الإيجاب، و المفسدة تقتضي الحرمة، و لا يمكن أن يكون الفعل الواحد واجباً و حراماً في آن واحد، فهنا، ينظر المولى، فإن كانت المفسدة في نظره غالبة على المصلحة، حرّم ذلك الفعل، و إن كانت المصلحة غالبة على المفسدة، أوجب الفعل، و إن كانتا متساويتين، حكم بالتخيير بين الفعل و الترك، و هذا النوع من التزاحم هو الذي قال به المحقّق الخراساني.
الثاني: التزاحم الامتثالي: و هو التنافي بين الحكمين في مرحلة فعليتهما، من دون أن يكون بينهما منافاة بحسب عالم الجعل و التشريع، و هذا يحصل بسبب ضيق قدرة المكلّف عن امتثالهما معاً، كما لو حصل التزاحم بين إنقاذ إنسان أوْشكَ على الغرق و بين أداء الصلاة في ذلك الوقت، مع فرض أنّ قدرة المكلّف لا تسع إلّا لأحدهما، بحيث لو اشتغل بالصلاة و ترك الإنقاذ لأدى ذلك إلى موت ذلك الإنسان، أو أنّه لو اشتغل بالإنقاذ، لفاتته الصلاة، و هذا ما قال به المحقّق النائيني، راجع فوائد الأصول: ج ٤ ص ٥٧٠.
و الفرق بين هذين القسمين من التزاحم، هو:
١- أن الأول يحصل في عالم الملاكات، و الثاني يحصل في عالم الأحكام، بمعنى أنّه في الأول لا يمكن إلّا جعل حكم واحد بحسب الملاك الأقوى، و في الثاني يجعل كل من الحكمين على موضوعه، بحيث يكون في كل منهما ملاك اقتضى جعله.
٢- الموضوع في الأول واحد بمعنى أنّ التنافي بين الملاكين يحصل في فعل واحد، و أما في الثاني، فالموضوع متعدد، و في كل موضوع ملاك يخصّه كما في المثال المتقدم.
٣- التزاحم في الأول يحصل عند المولى، و لأجل ذلك لا يمكن إصدار إلّا حكم واحد بحسب الملاك الأقوى بنظر المولى، و في الثاني، يحصل عند المكلّف بسبب ضيق قدرته عن امتثالهما معاً. نعم، علاج التزاحم في الحالتين بيد المولى.
الثالث: التزاحم الحفظي: و هو عبارة عن التزاحم الذي يحصل بين ملاكات الأحكام الواقعية في مقام الحفاظ على تلك الملاكات عند حصول الاشتباه و الاختلاط لدى المكلّف، و هذا التزاحم يحصل عند المولى بسبب اختلاط المباحات الواقعيّة بالمحرّمات و الواجبات الواقعيّة عند المكلّف و عدم تمييزه لها.
و الفرق بين هذا القسم من التزاحم و القسم الأول- أي التزاحم الملاكي- مع اشتراكهما في أنّ التزاحم فيهما يحصل عند المولى، بخلاف التزاحم الامتثالي، هو أنّ الموضوع الذي يحصل فيه التزاحم في القسم الأول واحد، و في هذا القسم متعدد. و هذا النوع من التزاحم اصطلح عليه السيّد الشهيد بالتزاحم الحفظي، تمييزاً له عن النحوين الأولين من التزاحم.