البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١١٠ - دور الاعتبار في تحديد مصب حق الطاعة
به أنّه مكلّف بتطبيقه فيما لو وصله ذلك التشريع، و هذا هو العنصر الثالث من عناصر الحكم في مرحلة الثبوت الذي يقوم الاعتبار بدور التعبير عنه.
و بناءً على ذلك، فإنّه ليس للاعتبار أي دخالة في حقيقة الحكم؛ إذ إن مجرد هذه الفائدة- و هي تنظيم جعل الأحكام و كيفية صياغتها و الكشف عن تعلّق إرادة المشرّع بذلك الفعل- لا تجعله عنصراً ضرورياً؛ إذ يمكن الاستغناء عنه بأن يبرز المولى إرادته مباشرة من غير توسط الاعتبار، كأن يقول: «أريد الحج من المستطيع»، بدلًا من أن يقول: «اعتبرت الحج في عهدة كل مستطيع»، أي: أنه بمجرد أن يدرك المصلحة في فعل، و تتعلق إرادته به، يبرز و يظهر إرادته بالخطاب مباشرة من غير توسط الاعتبار.
و لكن الصحيح أن للاعتبار فائدة و غرضاً مهماً بالإضافة إلى ما ذكرناه سابقاً، و تلك الفائدة تكمن في تحديد مصب و مركز حق الطاعة الثابت للمولى بحكم العقل و تشخيص متعلّقه، و بيان ما يدخل في عهدة المكلّف من أفعال أو تروك، بل في الحقيقة إنّ المهمّة الأساسية و الرئيسية التي يقوم الاعتبار بدور التعبير عنها، هي تحديد و تشخيص المصب الذي عينه المولى لحق الطاعة، و به يتحدّد ما يجب على المكلّف الإتيان به من أفعال و ما يجب عليه تركه منها، و ما يدخل في عهدته و ما يتمّ به إفراغ تلك العهدة، لا مجرد الكشف عما تعلقت به إرادة المولى من أفعال، و هذا المصب و المركز الذي عينه المولى لحق الطاعة بواسطة الاعتبار، قد يتحد مع ما تعلّقت إرادته النفسية به بحيث يكون ما تعلّقت إرادة المولى به عين ما دخل في عهدته بواسطة الاعتبار و قد يتغاير معه بحيث يكون ما تعلّقت إرادة المولى به شيء و ما دخل في عهدته شيء آخر، و بهذا الدور الذي يقوم به، يعتبر عنصراً ضرورياً و مهماً لا يمكن الاستغناء عنه.
و بعبارة أخرى: إنه يوجد عندنا شيئان أحدهما الإرادة و الآخر الاعتبار، و كل منهما بحاجة إلى شيء يتعلّق به، و المتعلّق في الأول يسمى بالمراد و في الثاني يسمى بالمعتبر، و هذان الشيئان قد يكون متعلّقهما واحداً بحيث يكون المعتبر متطابقاً تماماً مع المراد، كما لو تعلّقت إرادة المولى بشيء معيّن و جعل أو اعتبر نفس ذلك الشيء