البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢١٢ - ثانياً تصوّره بالنسبة إلى عدم إمكان سلب المنجّزيّة عن القطع
الترخيص حكماً واقعياً حقيقياً، و إما أن يكون حكماً ظاهرياً طريقياً، ثم إن المُنكشف الذي ثبتت له المنجّزيّة وفقاً لحق الطاعة، إمّا أن يكون منكشِفاً بالقطع، و إمّا أن يكون منكشِفاً بالاحتمال.
فإن كان منكشفاً بالاحتمال أو الظن، أمكن للمولى أن يرخص في مخالفته، و يكون هذا الترخيص ترخيصاً جاداً يصل إلى المكلف و يصدق به، و لكن هذا الترخيص لا يمكن أن يكون ترخيصاً واقعياً حقيقياً [١]؛ لأنّ المفروض أن المكلف يحتمل وجود تكليف و يظنّ به، و مع فرض وصول الترخيص الواقعي الحقيقي إليه، فلن يبقى لديه مجال لاحتمال التكليف، بل يقطع حينئذ بعدم التكليف.
نعم، سيكون هذا الترخيص ترخيصاً ظاهرياً في موارد احتمال التكليف؛ بأن يجعل المولى حكماً ظاهرياً في موارد التكاليف المحتملة، من قبيل أصالة الإباحة و أصالة البراءة، و هذا الترخيص الظاهري في هذه الموارد، لا يتنافى- حتى في نظر المكلف- مع التكاليف المحتملة؛ لما تقدم من أنه لا منافاة بين الحكم الظاهري و الحكم الواقعي، و قد تقدم كيفية التوفيق بينهما، فليس هذا الترخيص الظاهري هنا هزلياً، بل يمكن للمكلّف التصديق بأنّ المولى جادٌّ فيه لأجل الحفاظ على ما هو الأهم من ملاكات و مبادئ الأحكام الواقعية، فهو يكشف عن أهمية ملاكات الإباحة من ملاكات التكاليف الأخرى، و هذا يكون جاداً؛ بحيث إذا وصل إلى المكلف، أمكنه التصديق به و التعامل معه كحكم ظاهري جاء لرعاية و ضمان ما هو الأهم من الملاكات و المبادئ الواقعية، فيرتفع بذلك موضوع منجّزيّة الاحتمال؛ لأنّها معلقة على عدم ورود الترخيص الجاد، فإذا ورد، كان رافعاً لموضوعها و وارداً عليها [٢]، و إن
لم يرد ذلك الترخيص كانت منجّزيّة الاحتمال هي المحكمة و تبقى على حالها [٣].
[١] هذا على فرض بقاء الاحتمال عند ورود مثل ذلك الترخيص، أمّا على تقدير زوال مثل هذا الاحتمال بسبب الترخيص المذكور، فلا مانع من أن يصدّق المكلّف بكونه ترخيصاً حقيقياً و واقعياً
[٢] هذا بناءً على مسلك حق الطاعة و القول بمنجزيّة الاحتمال المعلّقة على عدم ورود الترخيص الجاد من قبل المولى، و أمّا بناءً على مسلك المشهور القائل بقبح العقاب بلا بيان، فإن الترخيص لو ورد، يكون إرشاداً لحكم العقل بالبراءة و مؤكداً له
[٣] اعلم أن السيّد الخوئي قد ذهب إلى ذلك أيضاً، رغم إيمانه بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، و قد تستغرب من ذلك في بادئ الأمر؛ إذ كيف يؤمن بمنجزيّة الاحتمال مع إيمانه بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، أ لا يكون هذا التناقض؟!
و الجواب: إن السيد الخوئي، يرى أن احتمال التكليف بنفسه موجب لاحتمال العقاب على مخالفته، فيستقل العقل بلزوم التحرّز عنه ما لم يثبت المؤمن من العقاب من ناحيته، و هو يدّعي أنّ المؤمّن من العقاب من ناحية مخالفة التكليف المحتمل موجود، و هو عبارة عن حكم العقل بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، و قد قال السيّد الخوئي بهذا الصدد- كما جاء عنه في دراسات في علم الأصول ج ٣ ص ٣٤٧ و ٣٤٨-: «أن احتمال التكليف الإلزامي، سواء كان وجوبيّاً أم تحريمياً، مساوق في نفسه لاحتمال العقاب على مخالفته، و معه كان العقل مستقلًا بلزوم التحرّز عنه، و هذا هو الملاك الوحيد في استقلال العقل بلزوم الإطاعة و التحرّز عن المخالفة».
و قال أيضاً: «و كيف كان، فالعقل يستقل بقبح ارتكاب ما يحتمل فيه مخالفة الحكم الإلزامي، إلّا أن يكون في مورده مؤمن من العقاب عقلًا كقاعدة قبح العقاب بلا بيان، أو شرعاً كالأدلة الشرعية الدالة على البراءة من حديث الرفع و نحوه».
و قال أيضاً: «و أما إذا لم يثبت شيء من الأمرين- أي: البراءة العقلية أو البراءة الشرعية- فاحتمال العقاب يكون موجوداً لا محالة، فلا بدّ من التحرّز عنه بحكم العقل».
و خلاصة كلامه أنه يؤمن باستقلال العقل بلزوم دفع الضرر المحتمل، و يؤمن أيضاً بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، و لكنه يرى أن قاعدة قبح العقاب بلا بيان، نافية لموضوع القاعدة الأولى، و بالتالي لا تنافي بينهما.