البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٦٠ - الجواب عن هذا الدليل
على الضرورة التي يدّعيها القول الأول. و أما صاحب القول الثالث، فهو يقيم برهاناً على نفيها- أي نفي الضرورة-، و حينئذٍ يكفي لمن يذهب إلى القول الثاني إبطال أدلّة القول الأول، و لذا سيقع البحث في هذا المقام في موردين:
المورد الأول: أدلّة القائلين بضرورة وجود موضوع لكل علم
قوله (قدس سره) ص ١٤: «فاستدل على ضرورة وجود موضوع ... الخ».
استدل على ضرورة وجود موضوع لكل علم بدليلين:
الدليل الأول: و هو يتألف من مقدمتين:
المقدمة الأولى: لا شكّ أنّ العلوم تتمايز فيما بينها، فعلم الطب غير علم النحو، و هما غير علم البيان ... و هكذا. فكل علم يختلف بوجه ما عن بقية العلوم، و لو لا هذا الامتياز لتداخلت العلوم بعضها في البعض الآخر و أصبحت علماً واحداً لا علوماً متعددة. فالتكثّر و التعدد في العلوم يكشف عن وجود جهة امتياز في كل علم، هي التي تميّزه عن غيره من العلوم.
المقدمة الثانية: إن هذا التمايز بين العلوم يكشف عن وجود مائز يرجع إليه هذا الاختلاف، و هذا المائز ليس هو إلّا اختصاص كل علم بموضوع كلّي يميّزه عن غيره. فالتمايز بين العلوم إذن فرع التمايز بالموضوعات.
و بضم المقدمة الأوّلى إلى الثانية، نخرج بالنتيجة التالية و هي: ضرورة أن يكون لكل علم موضوع يميّزه عن غيره، و إلّا لما حصل التمايز بين العلوم. فنجد أنّ الذي يمتاز به علم الطب عن علم النحو- مثلًا-، هو أنَّ علم الطب موضوعه (البدن) و علم النحو موضوعه (الكلمة)، و هكذا يمتاز كل علم عن الآخر بموضوعه.
الجواب عن هذا الدليل:
قوله (قدس سره) ص ١٤: «و هذا الدليل أشبه بالمصادرة ... الخ».
إن هذا الدليل يعتمد على دعوى غير مسلّمة و لا دليل عليها [١]، بل هي أشبه
[١] بل ادّعى صاحب الكفاية الدليل على عدمها، حيث قال في الكفاية، ص ٢٢: «و قد انقدح بما ذكرنا، أنّ تمايز العلوم إنّما هو باختلاف الأغراض الداعية إلى التدوين، لا الموضوعات و لا المحمولات، و إلّا- أي لو كان التمايز بالموضوعات أو بالمحمولات- كان كل باب من أبواب العلم الواحد بل كل مسألة من كل علم، علماً على حدة». و الوجه في ذلك هو أن كل مسألة من مسائل العلم الواحد لها موضوعها الخاص بها الذي تمتاز به عن غيرها من المسائل الأخرى.
و لكن يمكن أن يقال: إن الذي ادّعاه صاحب الكفاية- من أن لازم القول بأن تمايز العلوم بتمايز الموضوعات هو كون كل باب من أبواب العلم الواحد بل كل مسألة من مسائل العلم الواحد علماً على حدة- ليس بصحيح، و ذلك لأننا بعد أن افترضنا أن موضوع العلم عبارة عن الجامع بين موضوعات مسائله فلا تكون كل مسألة فضلًا عن كل باب علماً على حدة، لأنه في هذه الحالة لا يكون الموضوع في كل مسألة أو في كل باب مغايراً أو ممتازاً عن الموضوع في المسألة الأخرى أو في الباب الآخر ما دام كل منها يرجع إلى ذلك الجامع الكلي.