البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٣٦ - الثالث جواب السيد الشهيد
و هذا الكلام، لا نعني به أن الأحكام الظاهرية لم تنشأ من مبادئ أصلًا؛ فهذا غير معقول؛ فقد قلنا: إن الأحكام تابعة لملاكات تقتضي جعلها، بل المقصود هو إنّ المبدأ الذي اقتضى جعل الحكم الواقعي، هو بعينه اقتضى جعل حكم ظاهري على طبقه إذا كان بدرجة من الأهمية تقتضي الحفاظ عليه، عند حصول الاشتباه و الاختلاط لدى المكلّف.
و توضيح ذلك: إن كل تكليف، سواء أ كان وجوباً أم حرمة، أم استحباباً أم كراهة، لا بد له من ملاك يقتضي جعله و تشريعه، و هذه الأحكام الأربعة لا تكون ملاكاتها إلّا اقتضائية، فالحرمة الواقعية لا بد و أن يكون لها ملاك اقتضى جعلها، و هو عبارة عن المفسدة و المبغوضية القائمتين بالفعل الذي تعلقت به تلك الحرمة، فتشريع حرمة شرب الخمر- مثلًا- لا بد و أن يكون لأجل المفسدة و المبغوضية القائمتين بنفس شرب الخمر، و في الوجوب الواقعي- أيضاً- لا بد و أن يكون له ملاك اقتضائي، هو الذي اقتضى الإيجاب، و هو عبارة عن المصلحة و المحبوبية القائمتين بالفعل الذي تعلق به الوجوب، فإن وجوب صلاة الجمعة- مثلًا- واقعاً، يكشف عن مصلحة و محبوبية في نفس صلاة الجمعة، و هكذا الأمر بالنسبة للاستحباب و الكراهة؛ فهما أيضاً حكمان ناشئان من ملاك اقتضائي.