البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٣٧ - الثالث جواب السيد الشهيد
و أما الإباحة، فيمكن أن تنشأ من ملاك اقتضائي، أي: أن يوجد ما يقتضي جعلها كإطلاق العنان للمكلف، فإن جعل المكلف حراً مطلق العنان من حيث الفعل و الترك، يقتضي جعل الإباحة، و هذه الإباحة تسمى ب- (الإباحة الاقتضائية). و بهذا المعنى يمكن عدّها من الأحكام التكليفيّة الخمسة.
كما يمكن أن تنشأ الإباحة من خلوّ الفعل عن أي ملاك يقتضي إيجابه أو تحريمه و تسمّى ب- (الإباحة اللاإقتضائية) [١]، و يقال إنّ ملاكها لا ملاك.
و على كل حال، فتارة يعلم المكلف بالمحرمات أو الواجبات الواقعية، فتتنجّز عليه بذلك العلم، و أخرى لا يحصل له العلم بتلك الأحكام فيشك في وجوب فعل أو إباحته، أو يشك في حرمة فعل أو إباحته، فتختلط عليه المحرمات الواقعية بالمباحات، أو الواجبات الواقعيّة بالمباحات، من دون أن يميّز المباح منها من الحرام أو الواجب.
و من المعلوم، أن عدم تمييز المكلف لها لا يغيّر و يبدّل الأغراض الواقعية و ملاكات و مبادئ تلك الأحكام؛ فالمباح يبقى على إباحته واقعاً، و كذا الحرام على حرمته واقعاً ... و هكذا، فلا المباح بعدم تميزه عن الحرام يصبح مبغوضاً للمولى، و لا الحرام بعدم تميزه عن المباح يصبح مباحاً أو تسقط مبغوضيّته، و هذا معنى ما قلناه من شمول الأحكام الواقعية للعالم و الجاهل على حدٍّ سواء، أي: أن مبادئ تلك الأحكام تبقى محفوظة و ثابتة حتى في حالة الجهل بها، فهي لا تتغير و لا تتبدل، بل هي على ما هي عليه، فالحرام يبقى على حرمته واقعاً و ليس فيه سوى مبادئ الحرمة من مفسدة و مبغوضية، و المباح يبقى على إباحته واقعاً و ليس فيه سوى مبادئ الإباحة، إن كانت ناشئة من ملاك كالإباحة الاقتضائية.
[١] هذه الإباحة هي المسمّاة الإباحة بالمعنى الأعم، الشاملة للاستحباب و الكراهة، و حينئذٍ، فكونها لا اقتضائية، إنما يكون من ناحية ملاك ملزم فعلًا أو تركاً، و أمّا من ناحية وجود ملاك الاستحباب، الذي هو كون الفعل راجحاً، أو وجود ملاك الكراهة، الذي هو كون الفعل مرجوحاً، فهي اقتضائية بلا إشكال.
نعم، الإباحة بالمعنى الأخص، و التي هي عبارة عن تساوي الفعل و الترك، فقد تكون اقتضائية و قد تكون لا اقتضائية كما تقدّم.