الاجتهاد والتقليد - الصدر، السيد رضا - الصفحة ٥٢ - المجتهد و التقليد عنه
و ثانياً: إن أراد بقوله: «فالأحكام الواقعيّة منجزّة إلخ» بنحو الوجوب التخييري بأن يكون مخيّراً بين الاستنباط و بين تقليد غيره، كما هو ظاهر خبر حمّاد، فهو في قبال العاجز عن فهم مداليل الأمارات، و هو الذي قد تعيّن عليه التقليد، فذلك غير مفيد.
و إن كان المراد من تنجّز الأحكام الواقعيّة من طريق الأمارات بنحو الوجوب التعييني فهو دعوى بلا دليل، بل يشبه المصادرة، و إنّ ذلك أوّل الكلام، و مثل ذلك قوله: «إنّ التقليد خاصّة بمن لا حجّة عنده» فهو دعوى أيضاً بلا دليل، فيقال في قبال هذا الكلام: إنّ أدلّة التقليد خاصّة بمن لا يعلم سواء أ كان متمكّناً من الاستنباط أم لا.
و في ختام البحث نشير إلى ترك الاستفصال في كلام الهادي (عليه السلام): عن سؤال أحمد بن إسحاق حيث قال: من أُعامل؟ أو عمّن أخذ؟ و قول من أقبل؟ فأجاب (عليه السلام): «العمري ثقتي، فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدّي، و ما قال لك عنّي فعنّي يقول، فاسمع له و أطع، فإنّه الثقة المأمون» [١]. فالجملة الأولى من الجواب تشير إلى حكاية الثقة عن معنى قول الإمام، و لا يكون ذلك إلا باجتهاد من العمري، و الثانية التي تبدأ بقوله: «و ما قال لك» تشير إلى حكاية لفظ الإمام.
ثمّ لا بأس بدعوى الإطلاق لكلتا الجملتين، و أنّهما مترادفتان، و إذا أضفت إلى ذلك معرفتك بمنزلة أحمد بن إسحاق في العلم و الفضل تكون دلالة النصّ لديك على ما ذكرنا أصرح و أبين.
المجتهد و التقليد عنه
المقصود من المجتهد في هذا البحث من كان قد استنبط الأحكام بالفعل، و جواز تقليد غيره عنه بديهي فطري، و من الواضح أنّ من لا يعرف الطريق فهو بحسب طبعه يسأل العارف به، و المجتهد بالنسبة إلى أحكام الشرع هو العارف الخبير، و قول مثله حجّة على غيره عند العقل و العقلاء، و إذا كان موصوفاً بصفات معتبرة في المفتي
[١] وسائل الشيعة، ج ٢٧، ص ١٣٨، الباب ١١ من أبواب صفات القاضي، ح ٤.