الاجتهاد والتقليد - الصدر، السيد رضا - الصفحة ١٦٢ - و منها سيرة العقلاء
مع الفارق، فإنّ ما يدلّ على حجّيّة الفتوى يدلّ على حجّيّتها الشأنيّة؛ فإذا عمل بها العامّي تصير حجّة فعليّة، و لازم الحجج الشأنيّة تخيير من يريد الاحتجاج بين تلك الحجج.
و أمّا ما يدلّ على حجّيّة الخبر فيدلّ على حجّيّته الفعليّة، و الحكم في الحجّة الفعليّة تعيّن الأخذ بها. و إليك النظر في كلتا الأدلّة حتّى يتبيّن لك صدق هذه الدعوى، و قد مرّ بيانها.
و ثالثاً: سلّمنا وحدة الدلالة بين دليل حجّيّة الخبر، و دليل حجّيّة الفتوى، لكن ما ادّعاه من سقوط دليل الحجّيّة في مورد المعارضة من جهة بطلان الشقوق الثلاثة ليس بمقبول، فإنّ لنا اختيار ثالث الشقوق، و هو وجوب الأخذ بأحدهما المخيّر، لكن لا نقول بما قرّره، بل بتقيّد إطلاق وجوب الأخذ بأحدهما بصورة عدم الأخذ بالآخر، و لا يلزم من ذلك إلا وجوب الأخذ بكلّ منهما عند عدم الأخذ بكلّ منهما، و ذلك ليس بتال فاسد؛ إذ لا يلزم منه التكاذب، و اجتماع البعث و الزجر في مقام العمل.
و رابعاً: قد عرفت ثبوت السيرة من المتشرّعة على التخيير بين الرجوع إلى الفقهاء في زمان الحضور حتّى في صورة العلم بالاختلاف.
و خامساً: قد عرفت قيام سيرة العقلاء على التخيير بين الرجوع إلى أحد الخبراء عند العلم الإجمالي بالخلاف باختلافهم في الأنظار.
و أمّا صورة العلم التفصيلي باختلاف الخبيرين في الرأي فقد عرفت أنّها قائمة على الوثوق و الاطمئنان.
فإنّ رأي الخبير موثوق به عند العقلاء؛ فإذا عورض برأي خبير آخر يضعف الوثوق به، فيفحصون عمّا يقوّي به الوثوق بأحد الرأيين، أو برأي ثالث موثوق به؛ فإذا حصل لهم الوثوق برأي عملوا به.
و لا يخفى أنّ ظاهر كلامه دام ظلّه اتّحاد السيرتين: المتشرّعة، و العقلائيةّ عنده، كأنّه يزعم رجوع سيرة المتشرّعة إلى سيرة العقلاء، و هذا و إن أمكن القول به في بعض السير، لكن لا سبيل إلى القول به هنا؛ لما مرّ.