الاجتهاد والتقليد - الصدر، السيد رضا - الصفحة ٢٦٠ - المسألة ١٧ المقصود من الأعلم
استنباطاً، و المرجع في تعيينه أهل الخبرة و الاستنباط.
ظاهر هذا الكلام، أنّ الملاك في الأعلميّة هو الأجوديّة في الاستنباط، و المقصود منها هي الأجوديّة في تشخيص الوظيفة في المسائل، لا الأقربيّة إلى الواقع؛ فإنّه لا يمكن جعلها ملاكاً للأعلميّة؛ إذ الأقربيّة إلى الواقع تقوم بالانحياز إلى جانب الاحتياط، و هذا لا يعدّ خبرة عند العقلاء، كما لا يعدّونه معرفة للخبير، فالاجتهاد ليس إلا التخصّص في تشخيص الوظيفة الفعليّة في كلّ مسألة، و الأعلم هو الذي صار واجداً لهذه الملكة على النحو الأكمل.
و اعلم أنّ ظاهر المتن أنّ الأجوديّة في الاستنباط متوقّفة على اجتماع أوصاف ثلاثة في المجتهد:
كونه أعرف بالقواعد و المدارك للمسألة، و كونه أكثر اطّلاعاً للأخبار و نظائر المسألة، و كونه أجود فهماً للأخبار.
و منها تظهر أوصاف المجتهد: و هي كونه عارفاً بالقواعد و المدارك، و كونه مطّلعاً على الأخبار و المسائل، و كونه فهيماً للأخبار.
لكنّ الوصف الأخير في المجتهد ليس بوصف مقابل للوصف الأوّل، بل و للثاني؛ لأنّ معرفة القواعد و المدارك لا تتحقّق إلا أن يكون العارف بها فاهماً لها.
و المقصود من الاطّلاع على الأخبار ليس هو الاطّلاع على ألفاظها، بل هو الاطّلاع على معانيها.
و هل الأوصاف الثلاثة المقوّمة للأعلميّة متساوية التأثير في تحقّق هذا الملاك، أو يكون بعضها أقوى تأثيراً؟
إنّ الوصف الأوّل أقوى تأثيراً لتحقّق ملكة الأعلميّة، و أشدّيّة قوّة الاستنباط، و أمّا الوصفان الآخران فلهما ثأثير أقوى في تحقّق فعليّة الأعلميّة.
و إذا تعارضت الأوصاف، بأن يفرض هناك مجتهدون ثلاثة كلّ أحد منهم قويّ في أحد هذه الأوصاف، فمن هو الأعلم منهم؟
لعلّ المقدّم يدور بين الموصوف بأحد الوصفين الأخيرين.