الاجتهاد والتقليد - الصدر، السيد رضا - الصفحة ١٤١ - الاستصحاب
و لو كان الإجماع قائماً على ذلك لكانوا مصرّحين به في كتبهم، مع أنّ المسألة للعقل فيها سبيل، فكيف يدّعى فيها الإجماع التعبّدي.
و أورد بعض الأساطين على الاستصحاب بتبدّل الموضوع فيه ببيان آخر و هو:
أنّ المقلّد هو الفقيه الناظر في الحلال و الحرام، و العارف بالأحكام، و لا تصدق هذه العناوين على الميّت، فإنّه غير موصوف بها، فلا تتّحد القضيّة المتيقّنة و المشكوك فيها. [١] و فيه أوّلًا: أنّ تقليد الميّت هو التقليد عنه في زمان حياته لا في زمان وفاته، فالتقليد عن الميّت إنّما يكون تقليداً عن الحي الموصوف بتلك الصفات، و ليس بتقليد للميّت حقيقة و إن يطلق عليه ذلك بحسب اللفظ و التوهّم.
و ذلك هو الذي أوقعهم في اللبس، فمن يقلّد المرجع الذي توفّي فهو لا يقلّده ميّتاً، بل هو مقلّد للحي الموجود في ذلك الزمان، إذن قد تغيّر عنوان البحث عن اشتراط الحياة في المفتي إلى اشتراط بقاء حياته حال الرجوع إليه، و العمل بفتاه.
فظهر أنّ الموضوع للاستصحاب هو الحي، و لا مانع من هذا لاستصحاب؛ لاتّحاد القضيّة المتيقّنة، و المشكوك فيها؛ لرجوع الشكّ في جواز تقليد الميّت إلى الشكّ في أنّ الحياة هل هي معتبرة في المفتي بقاء، كما كانت معتبرة عند الاستنباط، و حال الاجتهاد أم لا؟ فالموضوع لم يتغيّر، و لم يتبدّل حقيقة و لا عرفاً.
و ثانياً: أنّ التقليد هو العمل بقول الفقيه الموصوف بتلك الصفات، و موت القائل لا يغيّر القول عمّا هو عليه، و لا يبدّله إلى قول غير الموصوف بها حتّى يتبدّل موضوع الاستصحاب.
و أورد دام ظلّه على الاستصحاب أيضاً بما اختاره من عدم جريانه في الشبهات الحكميّة الكلّيّة؛ لمعارضته دائماً باستصحاب عدم الجعل. ثمّ قال:
بيان هذا الإجمال: هو أنّ الشكّ في بقاء المتيقّن في الشبهة الحكميّة يلازمه الشكّ في سعة الجعل و ضيقه باعتبار عموم المجعول و خصوصه، فاستصحاب المجعول إلى ظرف
[١] دروس في فقه الشيعة، ج ١، ص ٥٠.