الاجتهاد والتقليد - الصدر، السيد رضا - الصفحة ٣١ - الاجتهاد بحسب الاصطلاح
ثمّ اعلم أنّ ملكة الاجتهاد تفارق سائر الملكات في شيء، و هو إمكان حصول تلك الملكات بالمداومة على الأفعال التي تنشأ منها؛ فإنّ الشجاعة قد تأتي من التشجّع، و السخاوة قد تأتي من التسخّي، لكن ملكة الاجتهاد لا تحصل إلا بمعرفة العلوم التي يتوقّف عليها حصول هذه الملكة.
و عرّفه المدقق الأصفهاني في تعليقته على الكفاية:
أنّه استنباط الحكم من دليله، قال (قده): و هو لا يكون إلا عن ملكة، فالمجتهد هو المستنبط عن ملكة، و هو موضوع الأحكام باعتبار انسياق الفقيه، و العارف بالأحكام إليه، ثمّ قال: و هذه الملكة تحصل دائماً بسبب معرفة العلوم التي يتوقّف عليها الاستنباط، و ليست ملكة الاستنباط إلا تلك القوّة الحاصلة من معرفة هذه العلوم، و ليست بقوّة أُخرى تسمّى بالقوّة القدسيّة؛ فإنّ الاجتهاد بمعنى استفراغ الوسع في تحصيل الحجّة على الحكم ممكن الحصول للعالم و الفاسق، و المؤمن و المنافق [١].
أقول: و هو كلام حسن.
ثمّ إنّه لا وجه لتأبّي علمائنا الأخباريّين عن لفظ الاجتهاد بما ذكرنا له من المعنى؛ إذ لو لم يكن الاجتهاد لانسدّ باب معرفة الأحكام في غير الضروريات من الدين.
نعم، لهم الإباء عن حجّيّة بعض ما يقوله المجتهدون بحجّيّته، و ذلك غير مضرّ بصحّة نفس الاجتهاد، و على هذا يصير النزاع بين الأخباري و الأُصولي صغرويّاً و ليس بكبروي فإنّ النزاع في الصغرى واقع بين الأخباريين أنفسهم، كما يقع مثل ذلك بين الأُصوليّين كثيراً.
و لعلّ مخالفة العالم الأخباري مع العالم الأُصولي من جهة الاختلاف في مفهوم الاجتهاد لا في مصداقه و حقيقته، فقد زعم الأخباري أنّ الأُصولي يقصد من الاجتهاد استخراج الحكم من القياس و الاستحسان، مع أنّ الإماميّة كلا لا يقولون بذلك.
[١] نهاية الدراية، ج ٦، ص ٣٦٣.