الاجتهاد والتقليد - الصدر، السيد رضا - الصفحة ٨٦ - التقليد عند الشرع
فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [١]. و قال تعالى أيضاً فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ* [٢].
و تقريب الاستدلال بالآية الأولى التي قد سمّيت عندهم بآية النفر: أن المأمور به فيها هو الإنذار، و المقصود من الإنذار بيان الأحكام الشرعيّة بشهادة نفس الآية؛ فإنّ الظاهر منها كون الإنذار نتيجة التفقّه في الدين. فذكر اللازم و أريد الملزوم.
و اعلم أنّ بيان الأحكام قد يكون بحكاية قول النبيّ و ذلك هو الرواية و التحديث، و قد يكون بحكاية ما استفيد من قوله أو فعله أو تقريرهُ و ذلك هو الإفتاء، و الإخبار عن التفقّه و الاجتهاد.
ثمّ اعلم أنّ كلمة «لعلّ» الواقعة في الآية على الحذر مفيدة للتوقّع. و لمّا كان التوقّع غير لائق بمقامه تعالى فإنّ الشكّ مأخوذ في مفهوم التوقّع، فكلمة «لعلّ» تفيد أنّ الحذر مطلوب له تعالى.
و من المعلوم أنّ الحذر فعل اختياري، و قد جعل في الآية الكريمة غاية للإنذار الواجب، فيكون الحذر واجباً بالأولويّة القطعيّة؛ لظهور أنّ وجوب المغيّا قد نشأ من وجوب الغاية.
و «الحذر» في العرف و اللغة بمعنى التحرّز عن الشيء، فهو من الأفعال الخارجيّة، و ليس بأمر نفساني، كما يشهد بذلك قولهم: الغراب حذر.
«فالحذر» في الآية الكريمة جعل كناية عن العمل بما أخبر به النافرون، و هم الرواة أو المجتهدون. و العمل بخبر المجتهد هو التقليد عنه، ففي الآية دلالة على أنّ التقليد هو العمل.
و لا يخفى أنّ اختلاف التفقّه و الاجتهاد سهولة في صدر الإسلام و صعوبة في هذه الأزمنة لا يوجب صرف ظهور الآية عن معنى عامّ إلى معنى خاصّ، و هو الدلالة على
[١] التوبة (٩) الآية ١٢٢.
[٢] النحل (١٦) الآية ٤٣.