الاجتهاد والتقليد - الصدر، السيد رضا - الصفحة ٩١ - التقليد عند الشرع
و الرجوع فيها إلى الرواة لمعرفة حكمها عبارة عن الاستفتاء عنهم؛ فإنّهم المفتون.
ثمّ إنّ التوقيع في مقام بيان الطريق لرفع الاحتياج في أمر الدين، و الاحتياج إلى الفتوى أكثر من الاحتياج إلى القضاء.
مضافاً إلى أنّ التعليل و هو قوله (عليه السلام): «أنّهم حجّتي عليكم» عامّ يتناول لجميع ما يرجع إلى الإمام (عليه السلام) في أمر الدين، فهو (عليه السلام) حجّة الله تعالى و هؤلاء حججه.
الطائفة الخامسة: النصوص الدالّة على أمر الإمام بعض فقهاء صحابته بالإفتاء للناس، مثل قول أبي جعفر (عليه السلام) لأبان بن تغلب: «اجلس في مسجد المدينة و أفت الناس؛ فإنّي أُحبّ أن يرى في شيعتي مثلك» [١].
بيان: الإفتاء مقدّمة للعمل، فإذا لم يكن عمل فلا يفيد الإفتاء و يكون الأمر بها لغواً. و أمر الإمام (عليه السلام) لأبان بالإفتاء يخبرنا عن وجود العامل بفتاوى أبان. فما أورد على الاستدلال به بأنّ إظهار الفتوى لا يدلّ على جواز أخذه و اتّباعه غير وارد؛ فإنّ الإفتاء بحكم إنّما يكون مقدّمة للعمل به و اتّباعه، و يشهد بذلك قوله (عليه السلام) في صحيحة الحذّاء: «و لحقه وزر من عمل بفتياه» [٢] و قد مرّت، فإنّ المفروض فيها ملازمة العمل للفتوى.
أضف إلى ذلك: أنّ مفهوم الإفتاء يغاير مفهوم إظهار الحقّ؛ إذ النسبة بين المفهومين عموم و خصوص من وجه، و من هذا الباب خبر معاذ بن مسلم النحوي عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال لي أبو عبد الله: «بلغني أنّك تقعد في الجامع فتفتي الناس» قلت: نعم، و أردت أن أسألك عن ذلك قبل أن أخرج: إنّي أقعد في المسجد فيجيئني الرجل فيسألني عن الشيء فإذا عرفته بالخلاف لكم أخبرته بما يفعلون، و يجيئني الرجل أعرفه بمودّتكم و حبّكم فأخبره بما جاء عنكم، و يجيئني الرجل لا أعرفه و لا أدري من هو فأقول: جاء عن فلان كذا، و جاء عن فلان كذا، فأدخل قولكم فيما بين ذلك،
[١] وسائل الشيعة، ج ٣٠، ص ٢٩١ باب الهمزة في أصول الرجال.
[٢] وسائل الشيعة، ج ٢٧، ص ٢٠، الباب ٤ من أبواب صفات القاضي، ح ١.