الاجتهاد والتقليد - الصدر، السيد رضا - الصفحة ٢٧٤ - الطريق الأوّل الاحتجاج بسيرة العقلاء
و بعبارة أُخرى: هذه الأُمور ممّا يحدث لهم سوء ظنّ بالخبر أو بالمخبر؛ فلذلك لا يكتفون بنفس الخبر، بل يجب الفحص عندهم عن صدقه.
إذا تبيّن الحال في سيرة العقلاء فلنصرف عنان الكلام عن إمضاء الشارع لها و عن إجرائها في الأُمور الشرعيّة.
فنقول: إنّ إجراء سيرة العقلاء فيما له صلة بالشرع هل هو محتاج إلى إمضاء من ناحية الشارع، أو يكفي عدم الردع من ناحيته؟
و جهان، بل قولان: لا يخلو ثانيهما من قوّة فيما إذا لم يكن للشارع طريق خاصّ فيه.
لنا: حكم العقل بصحّة الاحتجاج بسيرة العقلاء إذا لم تكن مردوعة من قبل الشرع، فلا يكون العامل بها و المتعمد عليها مؤاخذاً عنده و مسؤولًا لديه إذا خالف الواقع، بل العقل يحكم بقبح المؤاخذة عن مثل هذا الشخص؛ لكونه من قبيل التكليف بما لا يطاق، فإنّه من المعلوم طلب الشارع أمراً حال عدم جعل طريق من ناحيته عند الحكم بعدم حجّيّة الطرق العقلائيّة تكليف بما لا يطاق. مضافاً إلى أنّ نفس عدم جعل طريق خاصّ من قبل الشارع كاشف عن توكيل الأمر إلى الطرق العقلائيّة، فعدم الردع عن سيرة العقلاء كاشف عن إمضائه لها، و يشبه أن يكون النزاع في اعتبار إمضاء الشارع للسيرة، أو عدم ردعه لها لفظيّاً، و ينبغي التنبيه على أُمور:
الأوّل: أنّ الرّدع الذي يأتي من قبل الشارع حول إجراء أمر عقلائي يجب أن يكون بحسب القوّة و الضعف متناسباً مع المردوع، فإذا كان المردوع أمراً راسخاً في أذهان الناس، و شيئاً متداولًا بينهم، يجب أن يكون الردع قويّاً متتابعاً مكرّراً بحيث تكون الحجّة بالغة من قبل الشارع، كما صنعه الشارع في الردع عن العمل بالقياس، و عن العمل بالرأي و الاستحسان.
فإذا فرض صدور ردع عمّا أشرنا إليه من السيرة العقلائيّة القائمة على الاعتماد بقول من لا يعرف بالكذب في موارد، و على العمل بقول الثقة في موارد أُخر لوجب أن يكون الردع قويّاً متتابعاً، و لو كان كذلك لذاع و شاع، مثل ردعه عن القياس