الاجتهاد والتقليد - الصدر، السيد رضا - الصفحة ٢٧٧ - الطريق الأوّل الاحتجاج بسيرة العقلاء
الصنف الآخر، فإنّ الحال فيها ليس من هذا القبيل، فكثير منها قضايا شخصيّة، أو ممّا يجب فيه التفحّص عن حال المخبر لظروف مقتضية لذلك.
الثالث: قد يتوهّم ثبوت الردع عن هذه السيرة بحديثين:
أحدهما: خبر مسعدة بن صدقة [١] و قد مرّ الكلام فيه، و سيأتي أيضاً.
ثانيهما: خبر عبد الله بن سلمان، و رواه الكليني في الفروع عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الجبن، قال (عليه السلام): «كلّ شيء لك حلال حتّى يأتيك شاهدان يشهدان عندك أنّ فيه ميتة» [٢].
و إثبات الردع به موقوف على إلغاء خصوصيّة المورد بحسب المتفاهم العرفي، فيشمل جميع الموضوعات، و لكنّ التحقيق عدم صلاحيّته للردع عن السيرة.
أمّا أوّلًا: فلضعف في سنده. فإنّ ابن سليمان لم يذكر بمدح، و إثبات حجّيّة قوله بالسيرة مستلزم لعدمها، و إنّ الراوي عنه أبان بن عبد الله لم تعرف وثاقته، و لا مذهبه، و الراوي عنه محمّد بن الوليد و هو مشترك، و سيرة علمائنا القطعيّة على عدم العمل بمثل هذا السند ما لم يكن محفوفاً بقرائن، و هذه هي السيرة العقلائيّة فإنّها قائمة على عدم قبول قول من يساء الظنّ بخبره. كروايات هؤلاء الراوة، فإنّ العلم بوجود أخبار موضوعة كاذبة يرويها أمثال هؤلاء يحدث الريب في أخبارهم، فلا يحصل الوثوق بها عند العقلاء.
و ثانياً: ما عرفت، بأنّ الردع عن مثل هذه السيرة يجب أن يكون متتابعاً متواصلًا مشتهراً بين الأصحاب، فلا يصلح هذا الحديث للردع عنها في غاية الحلّيّة.
تقتضي صعوبة ثبوتها و هي الحرمة، توسعة على الناس، و يشهد على ذلك نفس المفتي، و هو الحلّيّة، فإنّها حكم يسهل على الكلّ.
و ثالثاً: أنّ إلغاء الخصوصيّة محلّ تأمّل؛ لاحتمال اشتراط خصوصيّة، و يمكن إلغاء خصوصيّة عن الغاية بأن يقال: إنّ ذكر شاهدين كناية عمّا يحصل من كلامهما
[١] قد مرّ تخريجه في ص ٢٦٤.
[٢] الكافي، ج ٦، ص ٣٣٩، ح ٢؛ وسائل الشيعة، ج ٢٥، ص ١١٨، الباب ٦١، من أبواب الأطعمة المباحة ح ٢.