الاجتهاد والتقليد - الصدر، السيد رضا - الصفحة ٢٧٣ - الطريق الأوّل الاحتجاج بسيرة العقلاء
المسافة و هم لا يعرفون من نصب تلك الأمارات.
و منها: أنّهم يرتّبون الأثر على الأخبار المنشورة في الصحف، و على ما تذاع من دور الإذاعات و هم لا يعرفون الصحفي و لا المذيع.
و منها: اعتمادهم على خبر من يخبرهم بحال من يقرعون باب داره، فإذا أُخبروا بوجوده في داره أو بعدمه يصدّقون المخبر و هم لا يعرفونه.
و منها: اعتماد الرؤساء على تقارير أعضائهم كما يعتمدون على أخبار البوليس.
و منها: اعتمادهم على رسالات الرسل و هم لا يعرفونهم.
و منها: اعتمادهم على قول من أخبرهم بالوقت من الساعة أو اليوم أو الشهر أو السنة.
و منها: اعتمادهم على أخبار الناس عن أنفسهم و أحوالهم.
و منها: اعتمادهم على أخبار المؤرّخين في كتبهم التأريخيّة.
هذه هي سيرة العقلاء القائمة على الاعتماد بقول من لا يعرفونه بالصدق و الوثاقة في أُمورهم العادية، و في حوائجهم اليوميّة، فهم يثقون بهذه الأخبار، و لا يحتملون في حقّ مخبريها الكذب.
و هناك أُمور أُخر لهم فيها اهتمام، أو يعلمون أنّها مواقع للأغراض الشخصيّة، و في مثل هذه الأُمور لا يكتفون بخبر من لا يعرف قائله بالكذب، بل سيرتهم فيها على الفحص عن حال المخبر، و على التبيّن عن صحّة خبره، بل قد يطلبون تعدّد الخبر و المخبر إذا كان المخبر به محلّا لاهتمام أكثر؛ و لذا كانت سيرتهم في باب المرافعات، و فصل الخصومات على هذه الطريقة.
و السبب في اختلاف سيرتهم في العمل بالأخبار أنّ ملاك الحجّيّة عندهم هو الوثوق الشخصي، و ذلك حاصل من الخبر الذي لا يعرف قائله بالكذب في أُمور تقدّمت الإشارة إليها، لكنّ الوثوق لا يحصل لهم من نفس الخبر في الأُمور الهامّة، أو التي تكون محلّا للحبّ و البغض؛ فلذلك يطلبون فيها وثاقة المخبر، بل تعدّده، و ذلك يختلف بحسب اختلاف الموارد و الأحوال و الأشخاص.