الاجتهاد والتقليد - الصدر، السيد رضا - الصفحة ١٣١ - نظرة إلى أدلّة التقليد
فإذا رجع العامّي في مسألة إلى رسالة مفت ميّت حتّى يعلم الحكم فيها فهل يرى العرف أنّه لم يرجع إلى أهل الذكر أو إلى الفقيه؟ كِ. فالانصراف في أمثال هذه الأوصاف إلى الأحياء ممنوع، و إذا توهّم الانصراف فهو بدوي يزول بأدنى تأمّل.
نعم قوله (عليه السلام): «فإنّي قد جعلته حاكماً» منصرف إلى الحي من جهة القرينة و هي القضاوة و الحكومة بين المتخاصمين، و هي لا تأتي إلا من الحي، كما أنّ في نصب أحد لمنصب ظهور في حياته، فظهر الفرق بين نصب القاضي و بين الإرجاع إلى الراوي، و قد وقع الخلط بينهما.
ثمّ قال دام بقاؤه:
إنّه لو شمل الأموات فإطلاق الحجّة عليهم بالفعل. إمّا بلحاظ حجّيّة رأيهم في السابق، و إمّا بلحاظ حجّيّة رأيهم فعلًا، و كلاهما خلاف الظاهر، فتعيّن أن يكون المراد الأحياء بلحاظ حجّيّة رأيهم حال الحياة. [١] أقول: لازم هذا الكلام عدم صدق إطلاق الحجّة على الأئمّة الأحد عشر «، و كذا عدم صحّة إطلاق النبي على جميع الأنبياء عليهم صلوات الله إلا بنحو من العناية و ذلك باطل قطعاً، فاتّصاف الأئمّة «بكونهم حجج الله يراد منه وجوب طاعتهم، و حرمة مخالفتهم، و أنّ أقوالهم منجّزة و معذرّة من غير فرق بين الحي منهم و الميّت.
و هذا هو المراد من الحجّيّة التي جعلوها للمفتي، فيجب على العامّي العمل بفتواه و لا يجوز له مخالفته. نعم، هناك فرق بين فتوى المفتي و بين كلام الإمام إن كان في مقام بيان الحكم الواقعي بأنّ الأُولى تصلح لأن ينكشف خلافها؛ لأنّها علم بشري.
و أمّا الثاني: فلا ينكشف خلافه، بل هو الحاقّ الواقع؛ لأنّه مأخوذ من العلم الربوبي، فظهر أنّ إطلاق الحجّة على الميّت من الفقهاء بلحاظ حجّيّة رأيه فعلًا؛ بناء على شمول الأدلّة للأموات، فصدق الحجّة عليهم تابع لتحقّق الإطلاق لا العكس، كما يظهر من كلامه دام ظلّه.
[١] انظر: دروس في فقه الشيعة، ج ١، ص ٤٤.