الاجتهاد والتقليد - الصدر، السيد رضا - الصفحة ١٣٠ - نظرة إلى أدلّة التقليد
فالمقصود من ظهور هذه العناوين في الحال هو أن يكون المرجع عند إصدار الفتوى و استنباط الرأي موصوفاً بتلك الأوصاف العنوانيّة بالفعل، كما أنّ المراد من الفتوى الفعلي هي التي لم يرجع عنها المفتي و لم يتبدل نظره فيها.
ثمّ إنّ بعض المدقّقين من المعاصرين قرّر انصراف الأخبار إلى الأحياء بتقرير آخر و هو:
أنّ أدلّة وجوب الرجوع إلى العلماء مثل قوله (عليه السلام): «و أمّا الحوادث» إلخ، و قوله (عليه السلام) في المقبولة: «فإنّي قد جعلته حاكماً» [١]. منصرف إلى الأحياء؛ لأنّ الأموات عند العرف بمنزلة المعدومين. [٢] أقول: كون الأموات عند العرف بمنزلة المعدومين من كلّ جهة و حيثيّة ممنوع، فالعلماء الأموات من حيث البحث عن أنظارهم، و من حيث الرجوع إلى آرائهم موجودون عند العرف، كالأحياء منهم.
و الحكماء الميّتون من حيث الاستدلال بأقوالهم، و من حيث الإرشاد بقصصهم موجودون عند العرف، كالأحياء منهم.
و الشعراء الأموات من حيث نقل أشعارهم موجودون عند العرف كالأحياء.
فإذا قيل: كذا قال الأطبّاء، أو الفقهاء يشمل الأموات منهم يقيناً، و لا تجد انصرافاً في هذا الكلام إلى الأحياء.
و مثل ذلك إذا قيل: هذا رأي طبيب، أو شعر شاعر، أو نظر خبير، أو فتوى فقيه، و قصد منه الميّت فهل ترى يحكم العرف بكذب القائل؟ كِ.
فإذا قال الأُستاذ لتلاميذه: احفظوا شعر شاعر مجيد، أو اقرأوا كتاب كاتب بارع، أو ائتوني برأي متخصّص خبير، فحفظ التلاميذ شعر شاعر ميّت، أو قرأوا كتاب كاتب لاحي، أو أتوه برأي من خبير ماض فهل الأُستاذ يرى أنّ التلامذة لم يطيعوا أمره؟! كلا.
[١] وسائل الشيعة، ج ٢٧، ص ١٣٨، الباب ١١ من أبواب صفات القاضي، ح ١.
[٢] انظر: دروس في فقه الشيعة، ج ١، ص ٤٤.