الاجتهاد والتقليد - الصدر، السيد رضا - الصفحة ١٢٩ - نظرة إلى أدلّة التقليد
فليس في مقام أصل تشريع التقليد، بل الظاهر أنّه في مقام تعيين المرجع المفتي. و عليك بالنظر إلى ما قبل هذا القول من الحديث حتّى يتبيّن لك صدق كلامنا.
و مثل ذلك الإرجاعات الخاصّة إلى فضلاء صحابتهم، فإنّها ليس بواردة في مقام أصل تشريع التقليد، سيّما ما ورد منها جواباً للسؤال عن معرفة المرجع.
و أمّا دعوى انسباق دلالة الأخبار إلى حال الحياة فقد قرّره بعض الأساطين:
بأنّ عنوان الفقيه، و راوي الحديث، و الناظر في الحلال و الحرام الوارد في الروايات الإمرة بالرجوع إلى هؤلاء لا يصدق على الميّت؛ لأنّ ظاهرها تحقّق هذه العناوين حال الأخذ و الرجوع لا قبلهما، كما هو قضيّة كلّ عنوان أُخذ موضوعاً للحكم مشتقّاً كان أم غير مشتقّ؟
فظاهر قول القائل: «لا تصلّ خلف الفاسق، أو لا تشرب الخمر» هو عدم جواز الصلاة خلف من هو فاسق فعلًا لأمن كان فاسقاً، و حرمة شرب ما هو خمر حين الشرب، لا ما كان خمراً سابقاً. [١] أقول: إنّ ظهور أوصاف العنوانيّة في زمان الحال ممّا لا يمكن إنكاره فقد اخترنا في صناعة المنطق أنّ الحقّ مع الشيخ ابن سيناء حيث قال: «إنّ عقد الوضع في القضايا إنّما يكون بالفعل لا بالإمكان» [٢] كما قال به الفيلسوف أبو نصر الفارابي.
و لكن هناك فرق بين الأوصاف العنوانيّة التي تكون لها موضوعيّة للحكم كالفاسق و الخمر، و بين الأوصاف العنوانيّة التي أُخذت طريقاً إلى معنى آخر كالفقيه و الراوي و الناظر عند الأمر بالرجوع إليهم، فإنّ المراد من الإرجاع إلى من كان موصوفاً بهذه الصفات هو الرجوع إلى إرشاده ورائه، لا الرجوع إلى نفسه و شخصه. إنّ العمل برسالة فقيه أو بفتوى مفت رجوع إلى ذلك الفقيه و المفتي و إن لم يكن الفقيه مشاهداً حين العمل بفتواه.
[١] انظر: دروس في فقه الشيعة، ج ١، ص ٤٣.
[٢] حاشية ملّا عبد اللّه في المنطق، ص ١٠٤