روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان - الشهيد الثاني - الصفحة ٢٩ - شرح الخطبة
وأولويّة تقديم هذه الفقرة على ما بعدها مبنيّة على أشرفيّة الصفات الثبوتيّة على السلبيّة بناءً على أنّها وجوديّة ؛ والوجود أشرف من العدم.
وفيه بحث في محلّ يليق به ، ولا يخفى خلوّ افتتاح المقال من براعة الاستهلال.
(المتنزّه) من النزاهة بفتح النون وهي البُعْد ، أي المتباعد (عن مشابهة الأعراض والأجسام ؛ لحدوثهما والله تعالى قديم واجب الوجود ، كما برهن عليه في محلّه.
وتعبيره بالبُعْد عن المشابهة كناية عن نفي المشابهة أصلاً ، لا أنّ بينهما مشابهةً بعيدة ، وهذه قاعدة معروفة من قواعد العرب يعبّرون بهذا وما جرى مجراه ، ومرادهم بذلك المبالغة في النفي وتأكيده.
ومن القاعدة قولهم : فلان بعيد عن الخنا [١] وغير سريع إليه.
قال المرتضى رضياللهعنه : يريدون أنّه لا يقرب الخنا ، لا نفي الإسراع إليه حسب. [٢].
وهكذا القول في البُعْد عن المشابهة في كلام المصنّف يراد به عدمها أصلاً ، لا حصولها على بُعْدٍ.
قال رحمهالله : ومنها : قوله تعالى (الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها) [٣] (وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ) [٤] و (لا يَسْئَلُونَ النّاسَ إِلْحافاً.) [٥].
ومن كلامهم : فلان لا يرجى خيره ، وليس مرادهم أنّ فيه خيراً لا يرجى ، وإنّما غرضهم أنّه لا خير عنده على وجه من الوجوه.
وقول بعضهم :
|
لا تُفْزِعُ الأرْنَبَ أهوالُها |
|
ولا ترى الضبّ بها يَنْجَحِر |
أراد ليس بها أهوال تفزع الأرنب ، ولا ضبّ بها فينجحر.
وقول الآخر :
|
من أُناس ليس في أخلاقهم |
|
عاجلُ الفحش ولا سوءُ الجَزعْ |
[١] الخنا : الفحش. لسان العرب ١٤ : ٢٤٤ ، «خ ن ا».
[٢] أمالي السيّد المرتضى ١ : ٢٣٠.
[٣] الرعد (١٣) : ٢.
[٤] البقرة (٢) : ٤١.
[٥] البقرة (٢) : ٢٧٣.