روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان - الشهيد الثاني - الصفحة ١٠٣ - النظر الثاني في أسباب الوضوء وكيفيّته
قلّل هو الإصبع ، فكأنّها آلة للمسح لا ملحوظة بالتقدير.
وهذا هو اختيار جماعة [١] من المتأخّرين.
وأوجب المرتضى ـ رضياللهعنه ـ في مسائل الخلاف وابن بابويه ـ رحمهالله ـ ثلاث أصابع مضمومة. [٢] وتبعهما الشيخ ـ رحمهالله ـ في النهاية. [٣]
وإنّما أجزأ ذلك كلّه ؛ لمكان الباء في قوله تعالى (بِرُؤُسِكُمْ). [٤]
أمّا عندنا فظاهر ؛ للنصّ عليه في خبر زرارة ، قال : قلت لأبي جعفر عليهالسلام : ألا تخبرني من أين علمت وقلت : إنّ المسح ببعض الرأس وبعض الرِّجْلين؟ فضحك ، ثمّ قال يا زرارة قاله رسول اللهُ صلىاللهعليهوآله ، ونزل به الكتاب من الله عزوجل يقول (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) فعلمنا أنّ الوجه كلّه ينبغي أن يغسل ، ثمّ قال (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ) ثمّ فصل بين الكلام فقال (وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ) فعرفنا حين قال (بِرُؤُسِكُمْ) أنّ المسح ببعض الرأس ؛ لمكان الباء ، ثمّ وصل الرِّجْلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه ، فقال (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) فعرفنا حين وصلها بالرأس أنّ المسح على بعضها. [٥].
وإنّما نقلتُ الحديث بأسره ؛ لكثرة الاختلاف في هذه الباء بين الأُصوليّين ، وحيث هي منصوصة عندنا عن أئمّة الهدى فلا يلتفت حينئذٍ إلى مَنْ مَنَع من ذلك من الأُصوليّين ، ولا إلى إنكار سيبويه [٦] إفادتها التبعيض في سبعة عشر موضعاً من كتابه ، وتبعه على ذلك ابن جنّي [٧] ، مع أنّها شهادة على النفي ، ومعارضة بإقرار الأصمعي وأبي علي الفارسي وابن كيسان والقتيبي [٨] وابن مالك من المتأخّرين ، [٩] وأكثر عليها من الآيات الإلهية والشواهد الشعريّة ، كقوله تعالى (يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ) [١٠].
[١] منهم : ابن إدريس في السرائر ١ : ١٠١ ؛ والمحقّق الحلّي في المعتبر ١ : ١٤٤ ؛ والفاضل الآبي في كشف الرموز ١ : ٦٦.
[٢] الفقيه ١ : ٢٨ ؛ وحكاه عنهما المحقّق الحلّي في المعتبر ١ : ١٤٥.
[٣] النهاية : ١٤.
[٤] المائدة (٥) : ٦.
[٥] الكافي ٣ : ٣٠ / ٤ ؛ الفقيه ١ : ٥٦ / ٢١٢ ؛ علل الشرائع ١ : ٣٢٤ / ١ ، الباب ١٩٠ ؛ التهذيب ١ : ٦١ / ١٦٨ ؛ الاستبصار ١ : ٦٢ ـ ٦٣ / ١٨٦.
[٦] انظر على سبيل المثال : الكتاب ٤ : ٢١٧.
[٧] كما في الذكرى ٢ : ١٣٦.
[٨] في مغني اللبيب : القتبيّ.
[٩] مغني اللبيب ١ : ١٤٢ ؛ الذكرى ٢ : ١٣٦.
[١٠] الإنسان (٧٦) : ٦.