روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان - الشهيد الثاني - الصفحة ٨٨ - النظر الثاني في أسباب الوضوء وكيفيّته
تعالى (وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً) [١] وقوله تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [٢].
أي : راجين الفلاح ، أو لكي تفلحوا ، والفلاح هو الفوز بالثواب ، قاله الطبرسي [٣] رحمهالله. ويحتمل غير ذلك. ونقل الشهيد ـ رحمهالله ـ في قواعده عن الأصحاب بطلان العبادة بهاتين الغايتين. [٤] وبه قطع السيّد رضي الدين ابن طاوُس ـ رحمهالله ـ محتجّاً بأنّ قاصد ذلك إنّما قصد الرشوة والبِرطيل ، [٥] ولم يقصد وجه الربّ الجليل ، وهو دالّ على أنّ عمله سقيم وأنّه عبد لئيم. [٦]
واختار فيها وفي الذكرى الصحّة ؛ محتجّاً بأنّ قصد الثواب لا يخرج عن ابتغاء الله بالعمل ؛ لأنّ الثواب لمّا كان من عند الله فمُبتغيه مُبتغٍ وجهَ الله ، وبأنّ الغرض بها الله في الجملة.
ولا يقدح كون تلك الغاية باعثةً على العبادة ؛ لأنّ الكتاب والسّنّة مشتملان على المرهّبات من الحدود والتعزيرات والذمّ والإيعاد بالعقوبات ، وعلى المرغّبات من المدح والثناء في العاجل ، والجنّة ونعيمها في الآجل.
قال : ولو قصد المكلّف الطاعةَ لله وابتغاء وجه الله ، كان كافياً ، ويكفي عن الجميع قصد الله سبحانه الذي هو غاية كلّ مقصد. [٧]
إذا تقرّر ذلك ، فوجوب نيّة القربة في الوضوء بل في كلّ عبادة لا ريب فيه ولا شبهة تعتريه.
وممّا استدلّ به عليه قوله تعالى (وَما أُمِرُوا إِلّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) [٨] ولا يتحقّق الإخلاص إلا بها. والضمير لأهل الكتاب ، ويدلّ على ثبوت حكمها في حقّنا
[١] الأنبياء (٢١) : ٩٠.
[٢] الحجّ (٢٢) : ٧٧.
[٣] مجمع البيان ٧ ـ ٨ : ٩٨.
[٤] القواعد والفوائد ١ : ٧٧.
[٥] البرطيل : الرشوة. القاموس المحيط ٣ : ٣٤٤.
[٦] لم نعثر عليه في مظانّه.
[٧] القواعد والفوائد ١ : ٧٧ ؛ الذكرى ٢ : ١٠٤.
[٨] البيّنة : (٩٨) : ٥.