الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ٩٩
فقال بعضهم: المحبة و الرضا يعبر بهما عن إنعام اللّه تعالى و إفضاله، و هما من صفات أفعاله، و إذا قيل «أحب اللّه تعالى عبدا»، فليس المراد به تحننا عليه و ميلا إليه، بل المراد إنعامه على عبده.
و محبة العبد لربه تعالى إذعانه له و انقياده لطاعته، فإنه تعالى يتقدس عن أن يميل أو يمال إليه.
و من هؤلاء من يحمل المحبة و الرضا على الإرادة، و لكنه يقول: إذا تعلقت الإرادة بنعيم ينال عبدا فإنها تسمى محبة و رضا، و إذا تعلقت بنقمة تنال عبدا فإنها تسمى سخطا. و من حمل المحبة على صفات الأفعال، حمل السخط أيضا عليها.
و من حقق من أئمتنا لم يكع عن تهويل المعتزلة، و قال المحبة بمعنى الإرادة و كذلك الرضا، و الرب تعالى يحب الكفر، و يرضاه كفرا معاقبا عليه. فإذا ثبت أن المحبة هي الإرادة، فيترتب على ذلك أمر معترض في الفصل ليس من مقصوده.
و هو أن تعلم أن الرب تعالى لا تتعلق به المحبة على الحقيقة، فإن الإرادة لا تتعلق إلا بمتجدد، و الرب تعالى أزلي لا أول له؛ و إنما يريد المريد أن يكون ما ليس بكائن و يجوز كونه، و إن يعدم ما يجوز عدمه، و ما ثبت قدمه و استحال عدمه، لم تتعلق به الإرادة.
و الذي يكشف الحق في ذلك، أن اجتماع الضدين لما كان مستحيلا، و كانت استحالة واجبة، يمتنع أن يريد المريد استحالة اجتماع الضدين. و كذلك من اعتقد أن كون السواد سوادا واجب، فيستحيل منه أن يريد أن يكون السواد سوادا، مع اعتقاده وجوبه و تقديره استمرار الوجود له. ثم يرجع بنا الكلام إلى غرض الفصل.
قالت المعتزلة: الرب تعالى مريد لأفعاله سوى الإرادة و الكراهة و هو مريد لما هو طاعة و قربة من أفعال العباد، كاره للمحظورات من أفعالهم. و أما المباح منها، و ما لا يدخل تحت التكليف من مقدورات البهائم و الأطفال، فالرب عندهم لا يريدها و لا يكرهها.
و لنا في سبر ذلك مسلكان في العقل: أحدهما البناء على خلق الأفعال، و قد بينا أن كل خلق فاللّه عز و جل ربه و خالقه. ثم يجب من ذلك كونه تعالى مريدا لكل حادث، قاصدا إلى إيقاعه و اختراعه. و الثاني أن نخصص العقل بطرق مغنية عن البناء، مشوبة بالسمع، و موجب الشرع.
فمما يستدل به أن نقول: اتفق مثبتو الصانع تعالى على تعاليه و تقدسه عن سمات النقص و وضر القصور؛ ثم اتفق أرباب الألباب على أن نفوذ المشيئة أصدق آيات السلطان و أحق دلالات الكمال، و نقيض ذلك دليل نقيضه. فإذا زعمت المعتزلة أن معظم ما يجري من العباد، فالرب سبحانه و تعالى كاره له و هو واقع على كراهته، فقد قضوا بالقصور؛ و قالوا: أراد الرب ما لم يكن، و كان ما لم يرد، و لم تنفذ إرادته في خليقته، و لم تجر مشيئته في مملكته، و وقع كثير من الحوادث كما أراد إبليس و جنوده.
و للمعتزلة مراوغات في محاولة دفع ذلك، يهون مدرك جميعها و التّفصّي عنها. و نحن نذكر ما يخيلون به، و يستذلون به الطعام و العوام.
الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد ١٠٠ فصل ..... ص : ٩٨