الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ١٠٣
التأويل في كتاب اللّه تعالى دالة على أن اللّه تعالى لم يرد إيمان الكفرة و طاعة الفجرة؟ فإن عم الأمر تعلقا، و دلت الآيات التي نستمسك بها على أنه سبحانه أراد ضلال من ضل و هدي من اهتدى، فيبطل ذلك ما موهوا به.
و من الدليل على ذلك، أن الواحد منا لو قال لعبده: قد أزحت علتك، و قويت منّتك، و أتممت عدتك؛ حتى لا تألوا جهدا في اقتناء الخيرات، و التسرع إلى القربات، و سد الثغور؛ مع علمي قطعا بأنك تفجر و تقطع الطرق، و تسعى في الأرض بالفساد، و تستعين بما أمددتك على خلاف الرشاد؛ فيعد ذلك متناقضا عرفا و إطلاقا. و الرب تعالى على أصول المعتزلة يريد صلاح من يمهله، و يعلم أنه في إمهاله يسعى على الردى و يتبع الهوى، و لو اخترم قبل حلمه لفاز و نجا. فإن لم يكن ذلك متناقضا عندهم إذا قدر في أمر اللّه، فلا تناقض فيما ادعوه.
و مما يتمسكون به كثيرا، أن قالوا: الإرادة تكتسب صفة المراد بها، فإذا كان المراد سفها كانت الإرادة سفها، و هذا من تخييلهم العريّ عن التحصيل؛ فهم مطالبون بالدليل عليه، غير مخلين بالاقتصار على محض الدعوى.
ثم لو كانت إرادة السفه سفها، لكانت إرادة الطاعة طاعة، و يلزم من مضمون ذلك أن يكون الرب تعالى مطيعا لإرادته الطاعة، و هذا خروج عن إجماع المسلمين و انسلال عن ربقة الدين. ثم الإرادة عندنا أزلية، و إنما يتصف بالسفه و نقيضه الحادث المبتدأ. و الذي يحقق ذلك أن من تكسب علما بالفواحش و فجور الفجرة، من غير حاجة ماسة إليه، فذلك سفه منه؛ و الرب تعالى عالم بجميع المعلومات خيرها و شرها، و لا يتصف في كونه عالما بما يتصف به من تكسب العلم منا.
فهذه قواعد شبههم، و في التنبيه عليها و طرق الانفصال عنها إرشاد إلى ما عداها.
فصل
استدل المعتزلة بظواهر من كتاب اللّه تعالى، لم يحيطوا بفحواها، و لم يدركوا معناها. منها قوله تعالى: وَ لا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ [سورة الزمر: ٧]. و في الجواب عن هذه الآية مسلكان: أحدهما الجري على موجبها، تمسكا بمذهب من فصل بين الرضا و الإرادة؛ و الوجه الثاني حمل العباد على الموفقين للإيمان الملهمين للإيقان، و هم المشرفون بالإضافة إلى اللّه سبحانه ذكرا. و هذه الآية تجري مجرى قوله تعالى: عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ [سورة الإنسان: ٦]؛ فليس المراد جميع عباد اللّه، بل المراد المصطفون المخلصون للنعيم المقيم.
و مما يستروحون إليه قوله تعالى: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا [سورة الأنعام:
١٤٨] الآية. قالوا: فوجه الدليل من هذه الآية، أن الرب سبحانه أخبر عنه، و بيّن أنهم قالوا لو شاء اللّه ما أشركنا، ثم وبخهم ورد مقالتهم؛ و لو كانوا ناطقين بحق؛ مفصحين بصدق؛ لما قرعوا.