الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ١٠٢
فإن قالوا: النسخ لا يتضمن رفع الحكم، و إنما هو تبيين مدة العبادة على حكم التخصيص؛ فهذا الذي ذكروه رد للنسخ جملة، و التزام لمذهب منكريه من اليهود و غيرهم. و سنذكر النسخ و حقيقته، و الرد على جاحديه في النبوءات إن شاء اللّه عز و جل.
و مما تمسك الأئمة في أن المأمور به يجوز أن لا يكون مرادا للآمر، قصة إبراهيم و ولده الذبيح عليهما السلام. فإنه صلى اللّه عليه و سلّم أمر بذبح ولده، و لم يرد ذلك منه.
و للمعتزلة خبط في درء حجة اللّه تعالى لا يغنيهم عما أريد بهم. فمنهم من يقول: لم يكن إبراهيم عليه السلام مأمورا بذبح ولده تحقيقا، و إنما تخيل أمرا في حلمه و حسبه أمرا؛ و هذا ازدراء عظيم على الأنبياء و حط من أقدارهم. و كيف يستجيز ذو دين أن ينسب إلى إبراهيم خليل الرحمن الإقدام على ذبح ولده من غير أمر جازم؟ و كيف يسوغ أن لا يحيط ولده علما بكونه مأمورا أو غير مأمورا؟ و تجويز ذلك يسقط الثقة بما ينقلون من أوامر اللّه تعالى.
و منهم من يقول: إنما كان مأمورا بالشد و الربط و التلّ للجبين و إرهاف المدية، و التعرض لمقدمات الذبح، دون الذبح. و هذا من الطراز الأول؛ فإنا على اضطرار نعلم من اعتقاد القصة أن إبراهيم عليه السلام ابتلي بذبح ولده، و من هذا عظم بلاؤه، كما قال تعالى: إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ [سورة الصافات: ١٠٦]، و افتداؤه بالذبح العظيم أعظم آية على ذلك. و لا يسوغ أن يعتقد النبي في أمر اللّه تعالى خلاف مقتضاه.
فإن قالوا: الدليل على أنه لم يكن مأمورا بالذبح، أنه لما شد يديه و رجليه رباطا، و تلّه للجبين، قيل له: قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا [سورة الصافات: ١٠٥]، فدل ذلك على امتثاله مقتضى الأمر و بلوغه منتهاه. و هذا غفلة منهم و ذهول عن الحق؛ فإنه ما قيل له: «حققت الرؤيا»، بل قيل:
«صَدَّقْتَ الرُّؤْيا»، أي اعتقدت صدقها و ابتدرت لما أمرت به، فانحجز الآن عن إمضاء الأمر؛ فقد رفع عنك، و فدي و لدك عن الذبح المأمور به بالذّبح العظيم.
فإن قالوا: كان إبراهيم يقطع حلقوم ولده و يفري أوداجه، و كان إذا قطع جزء التأم و التحم ما قبله، و لم يزل الأمر كذلك حتى نفذت الشفرة من الجانب الثاني، فقد أمر بالذبح و أريد منه ذلك؛ و هذا الذي ذكروه افتراء عظيم و تخرص على معنى الكتاب. فإنه تعالى قال مخبرا عنهما: فَلَمَّا أَسْلَما وَ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَ نادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ [سورة الصافات: ١٠٣- ١٠٤] الآية؛ فاقتضى ظاهر الخطاب أنه كما تله، نودي بالتخفيف، و افتداؤه من الدلالات القاطعة على أنه لم يمتثل ما أمر به. ثم ما نقلوه لا يسمى ذبحا، و إنما الذبح فصل الحلقوم و المريء و فري الأوداج، مع بقائها على انفصالها إلى تتمة الذبح. فبطلت حيلهم، و اتجهت حجة اللّه عليهم.
و ما ذكروه، من تناقض الجمع بين الأمر بالشيء و إبداء كراهيته، دعوى، و لا تناقض عندنا في الجمع بينهما. و كيف يسوغ دعوى التناقض و أمر اللّه تعالى عام تعلقه بالمكلفين، مع نصوص لا تقبل