الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ٨٦
لكفر و طغى، فمن هذه حاله، فصلاحه على الضرورة في أن يخترم. و من أبدى في ذلك مراء سقطت مكالمته و دحضت حجته. و كل كلام في اقتضاء تكليف فهو مقيد بقصد الإصلاح.
و لا مزيد في التناقض على أن يقول القائل: آمرك و قصدي بأمرك إصلاحك، مع علمي بأنك لا تصلح، و لو لم آمرك لنجوت من موبقات العواقب و مرديات العواطب. فهذا، وقيتم البدع، غاية في التناقض لا يخفى مدركها على عاقل.
و مما يعارضون به، أن أوامر الشرع و زواجره قد تتعلق بالأحوال المعللة بعللها، و ذلك مثل تقدير الشرع بأمر مكلف بكونه قائما عالما، و لا سبيل إلى جحد ذلك من موارد الشرع و موجبات السمع. ثم كون العالم عالما، و إن حسن تقدير الطلب فيه، فليس هو واقعا بالمطالب به على أصول المخالفين، فإنه لا يقع بالقدرة إلا حدوث ذات. و الأحوال توجبها العلل، و تثبت واجبة تابعة للحدوث؛ فإذا لم يبعد تقدير الطلب بما لا يقع بالمطالب، لم يبعد ما ألزمونا.
ثم نقول: ما أسندتم إليه تخييلكم محض تهويل. فإنا نقول قد سبقت معرفتكم بأن خصومكم لا يعتقدون كون العبد المأمور و المنهي موقعا لفعله، ثم علمتم اتفاق أهل الملل على توجه الأوامر على المكلفين، ثم ادعيتم بعد هذين الأصلين استحالة الطلب فيما لا يوقعه المطالب.
و سبيل إيجاز الكلام أن نقول: ما ادعيتم استحالته، لا تخلون فيه من أمرين: إما أن تسندوا دعواكم إلى الضرورة، و إما أن تسندوها إلى دليل على زعمكم. و إن ادعيتم العلم الضروري، كنتم مباهتين في ادعاء الضرورة بإزاء مخالفة أكثر الأمة، ثم لا تسلمون من معارضة دعواكم بمثلها. و إن أسندتم تصحيح دعواكم إلى نظر، فأبدوه نتكلم عليه، و لا تقتصروا على الدعوى العرية.
و قد سلك بعض أئمتنا طريقا في الكسب تدرأ هذه الشبهة، على ما سنعقد في حقيقة الكسب فصلا، و ذلك أنه قال: القدرة الحادثة تتضمن إثبات حال للمقدور بها، و تلك الحال متعلق الطلب.
و الخلق على أصول المعتزلة لا يتضمن إثبات ذات، إذ الذوات عندهم ثابتة عدما و وجودا على صفات أنفسها. و إنما يتضمن الاختراع وجود الذات، و هو حال عند محققيهم.
شبهة أخرى لهم، و هي أنهم قالوا: إذا حكمتم بأن القدرة الحادثة لا تؤثر في متعلقها، فسبيلها سبيل العلم المتعلق بالمعلوم، و يلزم على مقتضى ذلك تجويز تعلق القدرة الحادثة بالألوان و الأجسام و القديم و جميع الحوادث قياسا لها على المعلوم. و هذا الذي موهوا به دعوى، و هم بإثباتها مطالبون، و كل مشبه شيئا بشيء مطالب بالدليل على إثبات تشابههما في الوجه الذي يبغيه المشبه.
فإن قالوا: الجامع بين القدر و العلوم استواؤهما في انتقاء تأثيرهما في متعلقاتهما، قلنا: لم قلتم إن العلوم عم تعلقها لأنه لا أثر لها؟ و لا يتخلصون من المطالبة أو يوردوا دليلا، و لا يكادون يهتدون إليه سبيلا. ثم الرؤية لا تؤثر في المرئي، و لا تتعلق بجميع الموجودات على مذهب الخصم. و العلم بسواد معين لا يتعلق بغيره، و إن لم يكن له أثر في المعلوم به، فبطل ما عولوا عليه.