الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ١١٢
بالدين؛ فكم من عاقل متماد في غوايته مستمر على عزته، لم يخطر له قط ما ذكروه. ثم هذه الخواطر في ابتداء النظر شكوك، و الشك في اللّه تعالى كفر، و الباري تعالى لا يخلق الكفر على أصول القوم.
فإن قالوا: يبعث اللّه تعالى إلى كل عاقل، ملكا يختم على قلبه، و يقول في نفسه قولا يسمعه؛ و هذا بهت عظيم، و إثبات كلام ليس بحروف، و فيه نقض أصلهم في استبعاد كلام سوي الحروف و الأصوات.
فإن أردنا تخصيص هذه المسألة بقاطع، قلنا: الرب تعالى مخترع المخترعات فلا خالق سواه، كما أوضحناه، و ما يكتسبه العبد خلق للّه تعالى؛ فلا معنى إذا في دلالة العقل على وجوب شيء على العبد، مع استحالة إيقاعه إياه. نعم و لو طالب الرب تعالى عبده، لثبتت الطّلبة على الصفة التي ذكرناها في شبه الخصوم في خلق الأعمال. فأما إذا اعتقدنا أن العبد لا يوقع فعله، و لم يتقدم توجه طلبة عليه، فلا معنى للحكم بوجوبه، كما لا معنى للحكم بوجوب فعل الجواهر؛ فاعلموا ذلك ترشدوا، فهذا أحد قسمي الفصل.
و القسم الثاني يشتمل على نفي الإيجاب على اللّه تعالى فلا يجب عليه شيء، و هذه المسألة شعبة من التحسين و التقبيح. و سبيل تحرير الدليل فيها أن نقول لمن اعتقد وجوب شيء على اللّه تعالى: ما الذي عنيته بوجوبه؟ فإن قال: أردت توجه أمر عليه كان ذلك محالا إجماعا، لأنه الآمر، و لا يتعلق به أمر غيره.
و إن قال: المعنى بوجوبه، أنه يرتقب ضررا لو ترك ما وجب عليه، فذلك محال أيضا؛ فإن الرب تعالى يتقدس عن الانتفاع و التضرر؛ إذ لا معنى للنفع و التضرر، و الآلام و اللذة، و الرب متعال عنهما. فإن قال: المعنى بوجوبه، حسنه و قبح تركه، و زعم أن كونه حسنا صفة نفس له، فقد أبطلنا ذلك بما فيه مقنع.
ثم، مما يوجبونه على اللّه تعالى ثواب الأعمال، و سنعقد فيه بابا إن شاء اللّه عز و جل نومئ فيه إلى نكتة جارية على حسب قولهم، فنقول: أعمال العباد شكر منهم لنعم اللّه تعالى، و هو حتم عليهم عندكم، و ليس من حكم العقل استيجاب عوض على أداء فرض، و لو استوجب العبد على أداء الشكر المفروض عوضا، لوجب أن يجب للّه تعالى على العبد شكر جديد إذا أثابه، و إن كان الثواب واجبا، و هذا مما لا محيص لهم عنه أبدا. و مما يوجبونه الصلاح و اللطف، و سيأتي القول فيهما.
و هذا القدر مبلغ غرضنا في المقدمتين، و نحن الآن نبتدئ في إيلام اللّه تعالى العباد و البهائم في دار الدنيا.
فصل
الآلام و اللذات لا تقع مقدورة لغير اللّه تعالى، فإذا وقعت من فعل اللّه تعالى فهي منه حسن،