الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ١٣٢
تشهد بالولاية على قطع، إذ لو شهدت بها لأمن صاحبها العواقب، و ذلك لم يجر لولي في كرامة اتفاقا.
فإن قيل: بيّنوا مذهبكم في الجن و الشياطين، قلنا: نحن قائلون بثبوتهم، و قد أنكرهم معظم المعتزلة، و دل إنكارهم إياهم على قلة مبالاتهم، و ركاكة ديانتهم، فليس في إثباتهم مستحيل عقلي.
و قد نصت نصوص الكتاب و السنة على إثباتهم. و حق اللبيب و المعتصم بحبل الدين، أن يثبت ما قضى العقل بجوازه، و نص الشرع على ثبوته. و لا يبقى لمن ينكر إبليس و جنوده، و الشياطين المسخرين في زمن سليمان، كما أنبأ عنهم آي من كتاب اللّه تعالى لا يحصيها، مسكة في الدين، و علقة يتشبث بها، و اللّه الموفق للصواب، و هذا غرضنا من هذا الباب.
باب القول في الوجه الذي منه تدل المعجزة على صدق الرسول صلى اللّه عليه و سلّم
اعلموا، أرشدكم اللّه تعالى، أن المعجزة لا تدل على صدق النبي، حسب دلالة الأدلة العقلية على مدلولاتها. فإن الدليل العقلي يتعلق بمدلوله بعينه، و لا يقدر في العقل وقوعه غير دال عليه، و ليس ذلك سبيل المعجزات.
و بيان ذلك بالمثال في الوجهين أن الحدوث لما دل على المحدث، لم يتصور وقوعه غير دال عليه، و انقلاب العصا حية، لو وقع بديّا من فعل اللّه عز و جل من غير دعوى نبي، لما كان دالا على صدق مدع فقد خرجت المعجزات عن مضاهات دلالات العقول.
فإن قيل: فما وجه دلالتها إذا؟ قلنا: هذا مما كثر فيه خبط من لا يحسن علم هذا الباب.
و المرضي عندنا أن المعجزة تدل على الصدق من حيث تتنزل منزلة التصديق بالقول، و غرضنا يتبين بفرض مثال، فنقول:
إذا تصدر ملك للناس، و تصدر لتلج عليه رعيته، و احتفل الناس و احتشدوا، و قد أرهق الناس شغل شاغل.
فلما أخذ كلّ مجلسه، و ترتب الناس على مراتبهم انتصب واحد من خواص الملك، و قال:
معاشر الأشهاد! قد حل بكم أمر عظيم، و أظلكم خطب جسيم، و أنا رسول الملك إليكم، و مؤتمنه لديكم، و رقيبه عليكم، و دعواي هذه بمرأى من الملك و مسمع. فإن كنت أيها الملك صادقا في دعواي، فخالف عادتك و جانب سجيتك، و انتصب في صدرك و بهواك، ثم اقعد، ففعل الملك ذلك على وفق ما ادعاه و مطابقة هواه، فيستيقن الحاضرون على الضرورة تصديق الملك إياه و ينزل الفعل الصادر منه منزلة القول المصرح بالتصديق.