الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ٧٦
و أما من نفى جواز الرؤية، فمما يعوّلون عليه أن الباري تعالى لو كان مرئيا لرأيناه في وقتنا؛ إذ الموانع من الرؤية منفية عنه، و هي القرب و البعد المفرطان، و الحجب الحائلة و نحوها، فلما لم نره كان ذلك دالّا على أنا لم نره لاستحالة رؤيته.
فنقول لهم: لم حصرتم الموانع فيما ذكرتموه؟ و لم أنكرتم مزيدا عليها؟ فلا يرجعون عند تحقيق الطلبة إلا إلى قولهم: سبرنا الموانع فلم نلف إلا ما أفصحنا به. فيقال لهم: عدم عثوركم على ضبط الموانع، لا ينتصب علما قاطعا، و أنتم عرضة للزلل، و لا يجب لكم العصمة، و لا الإحاطة بقصارى الأشياء و حقائقها، فلا يرجعون عند ذلك إلا إلى تردّد و تبلّد.
ثم نقول لهم: بم تنكرون على من يزعم أنا إنما لم نره لمانع قائم بالحاسة، مضادّ لإدراكه؟
فإن قالوا: مقاد هذا المذهب يفضي بمعتقده إلى أن يجوّز أن تكون بحضرته أطلال و أشخاص و أشباح، و أطوال شامخة و جبال راسخة؛ و هو لا يراها، إذ لم يخلق له الإدراك لها، و التزام ذلك جهل و انسلال عن موجب العقل.
قلنا: هذا الذي ذكرتموه تعويل على تهويل لا تحصيل له، و هو على الفور ينعكس عليكم بالذي يغمض أجفانه، و يعتقد اقتدار الرب تعالى على أن يخلق في أوجز ما يقدر و أسرع ما ينتظر ما فرضتموه علينا؛ فما يؤمنه، و قد غمّض أو أطرق، أن يكون قد حدث بين يديه باختراع اللّه أطواد و أطلال؟ و مجوّز ذلك متجاهل.
و كذلك اتفق المنتمون إلى الإسلام على اقتدار الرب على أن يخلق بشرا سويا بديّا، من غير أن يردّده في أطوار الخلق من النطف و الأمشاج. و من رأى بشرا سويا، و استراب في كونه مولودا جريا على ما يجوّزه في قدرة اللّه تعالى كان والجا في نية الجهل.
و من الممكنات أن تجري الأودية دما عبيطا، و تنقلب الجبال ذهبا إبريزا، و لو جوّزه عاقل في دهره و قدره ممكنا في عصره، كان مهوّسا موسوسا، فكذلك سبيل القطع بأنه ليس بحضرتنا ما لا نشاهده.
فرجع ذلك، وقيتم البدع، إلى استقرار العوائد و استمرارها دون موجبات العقول. كيف و قد خصص الرسل برؤية الملائكة على القرب من صحبهم و كانوا لا يرونهم، إذ الدهر دهر انخراق العوائد و وضوح المعجزات المجانبة للعادات.
و من شبههم: ما إذا تحقق رجع إلى محض الدعوى، مثل قولهم: الرائي يجب أن يكون مقابلا للمرئي، أو في حكم المقابل. فيقال لهم في هذا الضرب: أعلمتم ما ادّعيتموه ضرورة، أم علمتموه نظرا؟ فإن ادّعوا العلم الضروري و نسبوا خصومهم إلى جحده، سقطت محاجتهم و تبين بهتهم و تطرق إليهم من المجسمة مثل ما ادّعوه.