الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ٥٤
و من شنيع مذهبه أنه قال: إذا اجتمع طائفة من القراء على تلاوة آية فيوجد بكل واحد منهم كلام اللّه، و الموجود بالكل كلام واحد. و نفس نقل هذا المذهب يغني اللبيب عن تكلف الرد عليهم.
و أما تحكمه بإثبات حروف مغايرة للأصوات، فخروج عن قضية العقل و إبداع مذهب لا شاهد له، و الحروف في تعارف العقلاء أنفس الأصوات المتقطعة. ثم إذا ساغ ادعاء إدراك ما ليس بصوت عند صوت، فما المانع من ادعاء رؤية الحروف عند انتظام الرسوم و اتساق الرقوم في الأسطر المثبتة؟
و أما المصير إلى قيام الكلام الواحد بمحال فجحد للضرورة، و لا يستريب فيه محصل، و هذا المعتقد لا يسع استقصاء الرد عليه.
و من فضائح مذهبه، مصيره إلى أن العبد يلجئ الرب إلى خلق الكلام عند إيثاره اختراع الأصوات و النغمات. و هذه فضائح بادية لا يبوح بها عاقل.
ثم نقول بعد معارضتهم: قد زعمتم أن القرآن كلام اللّه، و إذا روجعتم في معنى إضافة الكلام إلى الباري تعالى لم تبدوا وجها في الاختصاص سوى كونه فعلا له، و الذي زعمتم أنه فعله فأنتم مساعدون عليه من مذهبنا، و هو أقصى غرضكم بإضافة الكلام إلى اللّه تعالى. فقد تساوت الأقدام في إضافة الكلام إلى اللّه تعالى و بقي تنازع في تسميات و إطلاقات، و ليس من البعيد عندنا إضافة فعل اللّه تعالى إليه إذا استقر الشرع على الإذن فيه، و هذا يدرأ عنا جميع ما شغبوا به.
ثم، القرآن قد يحمل على القراءة، و يقدّر مصدرا لقرأ، و يشهد لذلك قول القائل، و هو حسان بن ثابت يمدح عثمان رضي اللّه عنه:
ضحوا بأشمط عنوان السجود به
يقطع الليل تسبيحا و قرآنا
معناه يقطع الليل تسبيحا و قراءة. و قد سمى الرب تعالى الصلاة قرآنا لاشتمالها على القراءة، فقال عزا اسمه: إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً [سورة الإسراء: ٧٨]. و معناه أن صلاة الفجر تشهدها ملائكة الليل و النهار صاعدين و هابطين. و في مأثور الأخبار أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم قال: «ما أذن اللّه لشيء إذنه لنبي حسن الترنم بالقرآن» معناه حسن الترنم بالقراءة.
و أما ما ذكروه من إجماع المسلمين على كون القرآن معجزة للرسول، مع القطع بانحصار المعجزات في الأفعال الخارقة للعادة، فنقول لهم: أولا، من أصلكم أن ما تحدى به النبي عليه السلام العرب، و هم اللّسن الفصحاء و اللّدّ البلغاء، لم يكن كلام اللّه تعالى، و ما خلقه الرب تعالى لنفسه كان إذ ذاك منقضيا، و إنما تحدى الرسول عليه السّلام بمثله، فأنتم أحق بمراغمة الإطباق من خصومكم من هذا الوجه، و من تصريحكم بأن كل قارئ آت بمثل كلام اللّه تعالى؛ فالرب عز اسمه قال: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ [سورة الإسراء: ٨٨].
ثم ما يدلون به هم عليه مساعدون و مساهمون؛ فإنهم زعموا أن كلام اللّه معجزة للرسول عليه