الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ٥٥
السلام، و عنوا بكلام اللّه كلاما فعله؛ و نحن نقول: الكلام الذي فعله معجزة للرسول عليه السلام؛ فلم يبق لهم اختصاص في المعنى، و اضمحلّ جميع ما موهوا به.
و مما يشغبون به و يستذلّون به العوام، أن قالوا قوله تعالى: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ [سورة طه: ١٢] كلام اللّه تعالى، و تقدير الاتصاف به في الأزل قبل خلق موسى عليه السلام هجر و خلف من الكلام.
و الوجه إذا تمسكوا بذلك، أن يقال لهم: «اخلع نعليك» في إجماع المسلمين كلام اللّه تعالى في دهرنا، و موسى غير مخاطب الآن، فإن لم يبعد ذلك متأخرا لم يبعد متقدما.
ثم التحقيق في ذلك أن المخالفين قدروا الكلام حروفا و أصواتا، و بنوا على ما اعتقدوه استحالة مخاطبة المعدوم بحروف تتوالى، و ليس الأمر على ما قدروه. فإن الكلام عند أهل الحق معنى قائم بالنفس ليس بحرف و لا صوت، و الكلام الأزلي يتعلق بجميع متعلقات الكلام على اتحاده، و هو أمر بالمأمورات، نهى عن المنهيات، خبر عن المخبرات، ثم يتعلق بالمتعلقات المتجددات و لا يتجدد في نفسه.
و سبيله فيما قررناه سبيل العلم الأزلي، فإنه كان في الأزل متعلقا بالقديم و صفاته و عدم العالم و أنه سيكون فيما لا يزال، و لما حدث العالم تعلق العلم الأزلي بوقوع حدوثه و لم يتجدد في نفسه.
و كذلك الكلام الأزلي كان على تقدير خطاب موسى إذا وجد، فلما وجد كان خطابا له تحقيقا، و المتجدد موسى دون الكلام.
و ربما يقولون: إنما يتكلم بالرد و القبول على المذهب المعقول، و الذي أثبتموه قائما بالنفس غير معقول فنتكلم عليه. و الوجه إذا سلكوا هذا المسلك، أن نقول: من أمر عبده وجد في نفسه اقتضاء الطاعة منه و دعاءه إلى الامتثال، و منكر ذلك جاحد للضرورة؛ فهذا الذي قضت به العقول هو الكلام القائم بالنفس عندنا، و هو مفهوم معلوم. فإن هم صرفوا الاقتضاء إلى مصرف آخر سوى ما ادعيناه، كان ذلك خبطا منهم في الجدال، و قد قدمنا في أدلتنا ما يوضح صرف الاقتضاء إلى ما رمينا إليه. و فيما أبديناه الآن ردع لتشغيبهم بدعوى الجهالة.
فصل
ذهبت الحشوية المنتمون إلى الظاهر إلى أن كلام اللّه تعالى قديم أزلي، ثم زعموا أنه حروف و أصوات، و قطعوا بأن المسموع من أصوات القراء و نغماتهم عين كلام اللّه تعالى، و أطلق الرعاع منهم القول بأن المسموع صوت اللّه تعالى، و هذا قياس جهالاتهم.
ثم قالوا: إذا كتب كلام اللّه تعالى بجسم من الأجسام، و انتظمت تلك الأجسام رسوما و رقوما، و أسطرا و كلاما، فهي بأعيانها كلام اللّه تعالى القديم، و قد كان إذ ذاك جسما حادثا، ثم انقلب قديما.
و قضوا بأن المرئي من الأسطر الكلام القديم، الذي هو حرف و صوت.