الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ٨٥
نقضي، و الحال هذه، بكون الأكوان الضرورية الواقعة على حسب الدواعي أفعالا لذي الدواعي، فبطل ما عولوا عليه من كل وجه.
و ما ذكروه من إدراك التفرقة بين المقدور و غيره صحيح، و لكن التفرقة آيلة إلى إدراك تعلق القدرة بأحدهما دون الثاني، و هو كالفرق بين المعلوم و المظنون، مع العلم بأن العلم و الظن لا يؤثران في متعلقهما.
فصل
و مما تمسكوا به، و هو من أعظم تخيلاتهم، أن قالوا: العبد مطالب من ربه تعالى بالطاعة، و يستحيل في العقول أن يطالب العبد بما لا يقع منه. قالوا: المقدور عندكم بمثابة القدرة في أن كل واحد منهما واقع بقدرة اللّه تعالى، و ليس للعبد من إيقاع المقدور شيء، فما المطلوب؟ و ما معنى الطلب؟ و ما الفرق بين مطالبة العبد بألوانه و أجسامه، و بين مطالبته بأفعاله؟
و ربما قرروا هذه الشبهة، و قالوا: لسنا نلزمكم الآن أمرا يتعلق بتقبيح العمل و تحسينه، و لكن أهل الملل متفقون على أن ما يؤدي إلى حمل كلام الرب تعالى على التناقض و الخروج عن الإفادة فهو باطل. و من لغو الكلام أن يقول القائل لمن يخاطبه: افعل ما أنا فاعله، و ابدع ما أنا مبدعه.
و سبيلنا أن نفاتح المعتزلة بعكس هذه الشبهة عليهم من أوجه، منها أن نقول: من أصلكم أن المعدوم شيء و ذات على خصائص الصفات، فما معنى المطالبة بإثبات ما هو ثابت؟ إذ لا معنى لكون المعلوم موجودا، إلا أنه ثابت ذات لها خصائص صفات. و هذا الذي ألزمناهم يبطل عليهم معنى الخلق في حكم اللّه سبحانه و تعالى.
فأما من أنكر الأحوال من المعتزلة، فلا مطمع له في الانفصال عما ذكرناه. و من قال بالأحوال من المنتمين إلى الاعتزال، فربما يقولون: المطلوب هو الوجود، و هو حال متجددة للذات، و ذلك محال. فإن الحال لو كانت تنفرد بالإثبات عن الانتفاء، لكانت ذاتا؛ إذ كل ما يتخيل منتفيا، ثم يعتقد تجدده على ذات واقعا بالقدرة على حياله و انفراده فهو ذات. و لو ساغ صرف أثر القدرة إلى الحال، لجاز أن يقال، إذا سكن الجوهر عن تحرك، فكونه ساكنا حال ثابتة بالقدرة، من غير احتياج إلى تقدير سكون هو عرض زائد عن الذات، و ذلك يقضي بإنكار الأعراض، و لا محيص لهم عن ذلك.
و مما انعكس به شبههم أن نقول: العبد عندكم مطالب بالنظر ابتداء، و لما يعتقد بعد أمرا مطالبا، فكيف التوصل إلى العلم بالطلب قبل استيقان الطالب الأمر؟
و ما عولوا عليه من إلزامنا تناقض الطلب قولا، ينعكس عليهم بما لا يجدون عنه محيصا، و ذلك أنّا نقول: من أصلكم أن الرب تعلى مصلح عباده بما كلفهم من طاعته، فإذا فرضنا الكلام عليكم فيمن علم اللّه تعالى أنه لو اخترمه و لم يكمل عقله لنجا من العذاب. و لو أكمل عقله و أقدره