الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ٥٧
ثم المقروء لا يحل القارى و لا يقوم به، و سبيل القراءة و المقروء كسبيل الذكر و المذكور.
و الذكر يرجع إلى أقوال الذاكرين، و الرّبّ المذكور المسبّح الممجّد، غير الذكر و التسبيح و التمجيد.
و العرب وضعت أنواع الدلالات على المدلولات بالعبارات؛ فسمت الإنباء عن الشعر إنشادا، و الإنباء عن الغائبات التي ليست من قبيل الكلام ذكرا، و سمت الدلالة على كلام اللّه تعالى بالأصوات قراءة.
فصل
كلام اللّه تعالى مكتوب في المصاحف، محفوظ في الصدور، و ليس حالّا في مصحف، و لا قائما بقلب. و الكتابة قد يعبر بها عن حركات الكاتب، و قد يعبر بها عن الحروف المرسومة، و الأسطر المرقومة، و كلها حوادث.
و مدلول الخطوط، و المفهوم منها الكلام القديم، و هذا بمثابة إطلاق القول بأن كلام اللّه تعالى مكتوب في المصاحف، و ليس المعنيّ بذلك اتصاله بالأجسام و قيامه بالأجرام.
و لم يصر أحد من المنتمين إلى التحقيق إلى قيام الكلام بمحل الأسطر، إلا الجبائي فيما حكينا من هذيانه. و يؤثر عن النجار أن الرقوم هي أجسام كلام اللّه تعالى، و الكلام أصوات عند القراءة، و أجسام عند الكتابة. و كل ذلك خبط و تخليط في بغية الحق، و تفريط في درك الصدق.
فصل
كلام اللّه تعالى مسموع في إطلاق المسلمين، و الشاهد لذلك من كتاب اللّه تعالى قوله تعالى:
وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [سورة التوبة: ٦].
ثم السماع لفظة محتملة، لا يتحد معناها، و لا ينفرد مقتضاها؛ فقد يراد بها الإدراك، و قد يراد بها الفهم و الإحاطة، و قد يراد بها الطاعة و الانقياد، و قد يراد بها الإجابة.
فأما السمع بمعنى الإدراك فمشهور لا خفاء به؛ و أما السمع بمعنى الفهم و العلم فشائع مذكور غير منكور.
و وصف اللّه تعالى المعاندين من الكفرة بكونهم صما؛ و ليس المراد اختلال حواسهم، و لكن المراد إعراضهم عن درك المعاني، و الإحاطة بما أنذروا به، و تدبر آيات اللّه تعالى.
و إذا حكى الحاكي كلام غيره على وجهه، فقد يقول السامع لأصوات المبلغ: قد سمعت كلام فلان، و هو يعني الغائب الذي أنهى إليه معنى كلامه.