الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ٨١
فإن قالوا: قد ذكرتم عند الكلام في إثبات العلم بكونه تعالى عالما، أن ذلك إنما يعلم اضطرارا و لا يتوصل إليه نظرا و اعتبارا، فهذا ما ارتضيتموه. ثم هو مناقض لما استروحتم إليه الآن.
من حيث قلتم: الفعل المحكم دال على كون مخترعه عالما به؛ قلنا: هذا تلبيس منكم، و لا تناقض في الجمع بين ما قدمناه و بين ما استدللنا به الآن؛ فإنا، و إن قلنا: نعلم أن المحكم لا يصدر إلا من عالم على الضرورة، فحقيقة القول يؤول إلى أن المحكم دليل على كون فاعله عالما به، من غير احتياج إلى نظر في كونه دليلا. و كأن الأدلة تنقسم: فمنها ما لا يعلم كونه دليلا إلا بالنظر، و منها ما يعلم كونه دليلا على الضرورة؛ و الذي نحن فيه من القسم الأخير، و لا معنى لكون الشيء دليلا على مدلول إلا أن يكون بحيث يجب من العلم به العلم بمدلوله، و هذا سبيل المحكم الدال على علم محكمه. و هذا الكلام في الضرب الأول.
فأما الضرب الثاني، و هو التعرض لإلزامهم، فإنه يشتمل على قواطع لا محيص عنها. فمن أقواها، أن القدرة الحادثة على أصولهم تتعلق بالوجود دون غيره من الصفات، ثم حقيقة الوجود لكل حادث لا تختلف، و اختلاف المختلفات يؤول إلى أحوالها الزائدة على وجودها، و ليست هي أثرا للقدرة. و من أصول القوم أن القدرة المتعلقة بالشيء تتعلق بأمثاله و أضداده، و الموجودات مشتركة في حقيقة ما هو متعلق القدرة، فيجب تعلق القدرة الحادثة بجميع الحوادث كالطعوم و الألوان و الجواهر. كما يجب عندهم تعلق القدرة على حركة بجميع ما يماثلها، و لا محيص لهم عن ذلك.
فإن قالوا: ما ألزمتمونا في الاختراع ينقلب عليكم في تعلق القدرة كسبا، و إذا تعلقت القدرة بنوع من الأعراض لزمكم ما ألزمتمونا تجويز تعلقها بجميع الحوادث، و إن لم تلزموا ما عكس عليكم لم يستمر ما ألزمتموه؛ قلنا: القدرة الحادثة لا تتعلق عندنا بمحض الوجود، بل تتعلق بالذات و أحوالها، و الذوات مختلفة بأحوالها فلا يلزمنا من حكمنا بتعلق القدرة بشيء الحكم بجواز تعلقها بما يخالفه. و إنما عظم موقع هذا الكلام على المعتزلة من حيث قالوا: لا تتعلق القدرة إلا بالوجود، ثم الوجود في حقيقته لا يختلف.
و مما يعظم موقعه عليهم، أنهم قالوا: القدرة الحادثة لا يتأتى بها إعادة ما اخترع بها أولا، و معلوم أن الإعادة بمثابة النشأة الأولى. و لذلك استدل الإسلاميون على اقتدار الرب على الإعادة باقتداره على ابتداء الفطرة، و قد نطق بذلك الكتاب، و احتج الرب على منكري الإعادة بالنشأة الأولى.
فإذا اعترفت المعتزلة بأن القدرة الحادثة لا تصلح لإعادة ما يجوز في العقل إعادته على الجملة، فكذلك ينبغي أن لا تصلح لابتداء الخلق. و إن ألزمونا تعلق القدرة الحادثة بالمعاد، التزمناه و لم نبعده؛ فإذا أعاد اللّه ما كان مقدورا للعبد، فيجوز أن يعيد قدرته عليه.