الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ١٠٦
هُداها [سورة السجدة: ١٣] الآية؛ و قال تعالى: وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَ لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ [سورة هود: ١١٨] إلى غير ذلك.
و العصمة: هي التوفيق بعينه؛ فإن عمت كانت توفيقا عاما، و إن خصت كانت توفيقا خاصا.
فصل
اتفق أهل الملل على ذمّ القدرية و لعنهم، و قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم: «لعنت القدرية على لسان سبعين نبيا». و لا ينكر لعنهم منكر، و لكنهم يحاولون درأ هذا النبذ عن أنفسهم بما لا يغنيهم، و يقولون: أنتم القدرية إذا اعتقدتم إضافة القدرة للَّه سبحانه. و هذا بهت و تواقح، و قد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم: «القدرية مجوس هذه الأمة». و شبههم بهم لتقسيمهم الخير و الشر، في حكم الإرادة و المشيئة، حسب تقسيم المجوس، و صرفهم الخير إلى «يزدان» و الشر إلى «أهرمن». و قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم: «إذا قامت القيامة، نادى مناد في أهل الجمع: أين خصماء اللّه تعالى؟ فتقوم القدرية».
و لا خفاء باختصاص ذلك بهم؛ فإن أهل الحق يفوضون أمورهم إلى اللّه تعالى، و لا يعترضون لشيء من أفعاله. ثم من يضيف القدرة إلى نفسه و يعتقدها صفته، بأن يتصف بالقدريّ أولى ممن يضيفه إلى ربه.
فهذه جمل مقنعة في خلق الأعمال، و الاستطاعة، و ما يتعلق بهما. و قد حان أن نخوض في أبواب التعديل و التجويز، مستعينين باللَّه تعالى، مفوضين أمورنا إليه.
باب القول في التعديل و التجوير
اعلموا، أحسن اللّه إرشادكم، أن مضمون هذا الأصل العظيم و الخطب الجسيم تحصره مقدمتان و ثلاث مسائل. إحدى المقدمتين في الرد على من قال بتحسين العقل و تقبيحه، و الأخرى أنه لا واجب على اللّه تعالى يدل عليه العقل. و أما المسائل الثلاث: فإحداها في بيان مذاهب أهل الملل في إيلام اللّه تعالى من يؤلمه من عباده و خليقته، و هذه المسألة تتشعب إلى الكلام في التناسخ و الأعراض؛ و المسألة الثانية في الصلاح و الأصلح؛ و الثالثة في اللطف و معناه.
و إذا نجزت هذه الأصول، افتتحنا بعدها المعجزات، و رتبنا على ثبوت النبوات السمعيات من قواعد العقائد، و اللّه الموفق للصواب.