الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ٥٣
مأمورا، و نمنع تقدير معدومه علم الباري تعالى أنه لا يوجد مأمورا و يستحيل وجوده مأمورا، فما كان كذلك لم يتعلق به أمر التكليف. و المعتزلة قضوا بأن المعدوم مأمور به، و هو يخرج عند الوجود عن كونه مأمورا به. و هذا تمحيص منهم لتعلق العلم بالعدم.
ثم نقول: قد اتفق المسلمون قاطبة على أننا في وقتنا مأمورون بأمر اللّه، و مذهب جماهير المعتزلة أنه ليس للرب تعالى في وقتنا كلام، و أن ما وجد من كلامه، قد عدم؛ فإذا لم يستبعدوا كوننا مأمورين، و لا أمر، لم يبق لهم مضطرب فيما ذكروه.
ثم الرب سبحانه في أزله كان قادرا، و من حكم كون القادر قادرا أن يكون له مقدور، و المقدور هو الجائز الممكن، و إيقاع الأفعال في الأزل مستحيل متناقض. فإذا لم يبعد كونه قادرا أزلا، مع اختصاص وقوع المقدور بما لا يزال، لم يبعد أن يتصف بكلام هو اقتضاء ممن سيكون.
و مما يستروحون إليه أن قالوا: قد أجمع المسلمون قبل ظهور هذا الخلاف على أن القرآن كلام اللّه سبحانه، و اتفقوا على أنه سور و آيات و حروف منتظمة و كلمات، و هي مسموعة على التحقيق و لها مفتتح و مختتم. و هي معجزة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم، و الآية على صدقه، و المعجزة لا تكون إلا فعلا خارقا للعادة، واقعا على حسب تحدي النبي صلى اللّه عليه و سلّم. و يستحيل أن يكون القديم معجزا، إذ لا اختصاص للصفة الأزلية ببعض المتحدين دون بعض؛ و لو جاز تقدير كلام قديم قائم بالنفس أزلي معجزا، لجاز تقدير العلم القديم عند مثبتيه معجزا.
و هذا الذي ذكروه تخيلات لا تحصيل لها. فأما تشغيبهم بأن القرآن في إجماع المسلمين سور و آيات، و لها أوائل و فواصل و مطالع و مقاطع؛ فنقول لهم: أولا، مذهب جماهيركم أنه كلام اللّه تعالى إذ خلقه كان أصواتا، ثم تصرمت و انقضت، و المتلوّ المحفوظ المكتوب ليس بكلام اللّه، و هذا مذهب كل من يتحذق من متأخريهم. و المصير إلى نفي كلام اللّه تعالى، أبشع و أشنع من المماراة في صفة الكلام.
و لما استشعر الجبائي ذلك، و أيقن أنه يلزم لو قال بهذا المذهب خرق إجماع الأمة، أبدع مذهبا خرق به حجاب الهيبة و ركب جحد الضرورات، و قال كلام اللّه تعالى يوجد مع قراءة كل قارئ. ثم الكلام عنده حروف تقارن الأصوات المتقطعة على مخارج الحروف، و ليست هي أصواتا، و زعم أنها توجد عند الكتابة؛ فإذا اتسقت الحروف المنظومة، و الرسوم المرقومة، وجدت حروف قائمة بالمصحف ليست الأشكال البادية و الأسطر الظاهرة. ثم زعم أن الحروف تسمع عند القراءة و إن لم تكن أصواتا، و لا ترى عند ثبوت الأسطر.
و قال أيضا: من قرأ كلام اللّه تعالى تثبت مع لهواته حروف هي قراءته، و هي مغايرة للأصوات، و حروف هي كلام اللّه و هي مغايرة للقراءة و الأصوات، و إذا أضرب القارئ عن القراءة عدم عنه كلام اللّه تعالى و هو بعينه موجود قائم بغيره.
الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد ٥٤ فصل ..... ص : ٥٢