الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ١٢٠
بضد ما ذكرتموه، فإن مكابدة المشقة تجر إلى من يقاسيها ثوابا جزيلا، فيحصل الأصلح عاجلا، و الثواب على المشقات آجلا. و الرب تعالى لا يتقرر فيه الاتصاف بنصب، و لا يحسن التكليف مع اشتماله على المشقات عندهم إلا لما ذكرناه. فقد لزمهم الجمع بين الشاهد و الغائب لزوما لا محيص عنه.
و مما نعتصم به، و هو يداني ما ذكرناه، أن نقول: النوافل و القربات المتطوع بها في فعلها صلاح للعباد، و الذي يحقق ذلك دعاء الرب تعالى إليها و حثه عليها، و لا يندب الرب تعالى إلا إلى الصلاح عند هؤلاء. فإذا وضح كون فعلها إصلاحا، فليجب على العباد ما يصلحهم؛ و إذا لم يكن الأمر كذلك، و انقسم فعل العبد إلى ما يجب عليه، و إلى ما يندب إليه على الاستحباب من غير إيجاب، فلتنقسم أفعال اللّه إلى ما يجب عليه و إلى ما يعد تفضلا. فإن راموا فصلا بين الشاهد و الغائب بما ذكرناه، أجبنا بما قدمناه.
و إن قالوا: إنما قسم الرب تعالى الأحكام إلى الإيجاب و الاستحباب، لأنه علم ذلك صلاحا، و وقع في معلومه أنه لو قدر القربات بأسرها واجبات لكفر العباد، و نفروا عن أعباء التكليف، و جنحوا إلى الدعوة و التخفيف، فقدر اللّه تعالى ما هو الأصلح؛ قلنا: هذا تمويه، يدحضه أدنى تنبيه؛ إذ فعل النوافل صلاح مدعوّ إليه، و لا سبيل لهم إلى إنكار ذلك.
و لا ينفعهم بعد تسليمهم هذا، ما استروحوا إليه من اعتبار الوقوع في المعلوم، فإنهم لا يعتبرون في وجوب الأصلح عندهم حكم العلم. و لذلك قالوا: من علم اللّه تعالى أنه لو كلف لطغى و بغى و نفر و أشر و استكبر، و لو اخترمه قبل كمال عقله لفاز و نجا، فيجب على اللّه تعالى تعريضه للدرجة السنية مع علمه بأنه يعطب دون دركها. فهلا قالوا: لما كان فعل العقل صلاحا وجب إيجابه، من غير اكتراث بما يقع في المعلوم! و لا مخرج من ذلك. و لهم على كل طريق مراوغات لا يخفى فسادها على من أحاط علما بمضمون هذا المعتقد، و إنما ننص على كل طريقة على أغمض ما يموهون به.
و مما يعظم موقعه على هؤلاء، أن نقول: قضاؤكم بوجوب الأصلح على اللّه، ورّطكم في جحد الضرورات. و ذلك أن الكتاب إذا بلغ أجله، و طوق كل امرئ عمله، و صار الكفار إلى الخلود في النار، و على الرب تعالى أن يصلح عباده، فإن الصلاح لأصحاب النار في خلودهم و تقطع جلودهم، و معاطاة الزقوم بدلا من السلسبيل و الرحيق المختوم.
فإن قالوا: ذلك أصلح لهم من الكون في الجنان، سقطت مكالمتهم و تبين عنادهم. و إن قالوا: إنما يخلدهم اللّه في العذاب الأليم علما منه بأنه لو أنقذهم لعادوا لما نهوا عنه، و استوجبوا مزيد عقاب على ما هم ملابسون له، فتقريرهم على ما هم فيه أصلح من تعريضهم لما يربى عليه من العذاب. و هذا ما لا محصول له.