الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ٣٧
و ذهب ذاهبون من نفاة الصفات إلى أن الباري، تعالى عن قولهم، حيّ، عالم، قادر، لا لعلل و لا لنفسه.
و نحن نرى أن نقدّم على الخوض في الحجاج فصلين؛ يشتمل أحدهما على إثبات الأحوال، و الردّ على منكريها؛ و يشتمل الثاني على جواز تعليل الواجب من الأحكام. فإذا نجزا. خضنا بعدهما في الحجاج.
فصل
الحال صفة لموجود، غير متصفة بالوجود و لا بالعدم.
ثم من الأحوال ما يثبت للذوات معلّلا، و منها ما يثبت غير معلّل. فأما المعلل منها، فكل حكم ثابت للذات عن معنى قائم بها؛ نحو كون الحيّ حيّا، و كون القادر قادرا. و كل معنى قام بمحل، فهو عندنا يوجب له حالا، و لا يختص إيجاب الأحوال بالمعاني التي تشترط في ثبوتها الحياة.
و أما الحال التي لا تعلّل، فكل صفة إثبات لذات من غير علة زائدة على الذات، و ذلك كتحيز الجوهر فإنه زائد على وجوده. و كل صفة لوجود لا تنفرد بالوجود، و لا تعلل بموجود، فهي من هذا القسم؛ و يندرج تحته كون الموجود عرضا، لونا، سوادا، كونا، علما، إلى غير ذلك.
و أنكر معظم المتكلمين الأحوال، و زعموا أن كون الجوهر متحيزا عين وجوده، و كذلك قولهم في كل ما حكمنا بكونه حالا لموجود زائدا على وجوده.
و الدليل على إثبات الأحوال، أن من علم بوجود الجوهر و لم يحط علما بتحيزه، ثم استبان تحيزه فقد استجد علما متعلقا بمعلوم، و يسوغ تقدير العلم بالوجود دون العلم بالتحيز. و إذا تقرر تغاير العلمين، فلا يخلو معلوم العلم الثاني من أمرين: إما أن يكون هو المعلوم بالعلم الأول، و إما أن يكون زائدا عليه، و باطل أن يكون المعلوم بالعلم الثاني هو المعلوم بالعلم الأول لأوجه:
منها، أن العاقل يقطع عند الاتصاف بالعلم الثاني، أنه أحاط بما لم يحط به قبل، و استدرك ما لم يستدركه أولا، و يجوز تقدير الجهل بالتحيز مع العلم بالوجود؛ فلو كان تحيز الجوهر وجوده، لاستحال ذلك ما يستحيل أن يعلم الموجود من يجهله في حالة واحدة.
و من الدليل على ذلك، أنه إذا اتحد معلوم العلمين الحادثين، لم يتقرر القضاء باختلافهما قياسا على العلمين بوجود الجوهر و تحيزه. و ربما يطلق نفاة الأحوال، أن الشيء يعلم من وجه و يجهل من وجه، و التعرض للوجوه إثبات الأحوال.
و لا يستغني خائض في هذا الفنّ عن التعرّض للأحوال؛ إما بتسميتها أحوالا، أو وجوها، أو صفات نفس.