الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ١٤٤
مختلفون في تجويز الصغائر على الأنبياء. و النصوص التي تثبت أصولها قطعا، و لا يقبل فحواها التأويل، غير موجودة.
فإن قيل: إذا كانت المسألة مظنونة، فما الأغلب على الظن عندكم؟ قلنا: الأغلب على الظن عندنا جوازها، و قد شهدت أقاصيص الأنبياء في آي من كتاب اللّه تعالى على ذلك. فاللَّه أعلم بالصواب.
فإن قيل: قد استوعبتم ما يليق بالمعتقد في النبوءات، و أضربتم عن الرد على العيسوية. قلنا:
إنما فعلنا ذلك لوضوح تناقض قولهم، بأنهم التزموا شريعته ثم كذبوه، و قد علمنا ضرورة أنه ادعى كونه مبتعثا إلى الثقلين و أرسل دعاته إلى الأكاسرة و ملوك العجم. فوضح بهذا القدر سقوط مذهبهم و نجز به ما لا يسوغ جهله في النبوءات.
باب [أصول العقائد و أقسامهما]
اعلموا، وفقكم اللّه تعالى، أن أصول العقائد تنقسم إلى ما يدرك عقلا، و لا يسوغ تقدير إدراكه سمعا؟ و إلى ما يدرك سمعا، و لا يتقدر إدراكه عقلا؛ و إلى ما يجوز إدراكه سمعا و عقلا.
فأما ما لا يدرك إلا عقلا، فكل قاعدة في الدين تتقدم على العلم بكلام اللّه تعالى و وجوب اتصافه بكونه صدقا؛ إذ السمعيات تستند إلى كلام اللّه تعالى؛ و ما يسبق ثبوته في الترتيب ثبوت الكلام وجوبا، فيستحيل أن يكون مدركه السمع.
و أما ما لا يدرك إلا سمعا، فهو القضاء بوقوع ما يجوز في العقل وقوعه، و لا يجب أن يتقرر الحكم بثبوت الجائز ثبوته فيما غاب عنا إلا بسمع. و يتصل بهذا القسم عندنا جملة أحكام التكليف، و قضاياها من التقبيح و التحسين و الإيجاب و الحظر، و الندب و الإباحة.
و أما ما يجوز إدراكه عقلا و سمعا، فهو الذي تدل عليه شواهد العقول، و يتصور ثبوت العلم بكلام اللّه تعالى متقدما عليه. فهذا القسم يتوصل إلى دركه بالسمع و العقل. و نظير هذا القسم إثبات جواز الرؤية، و إثبات استبداد الباري تعالى بالخلق و الاختراع، و ما ضاهاهما مما يندرج تحت الضبط الذي ذكرناه. فأما كون الرؤية و وقوعها فطريق ثبوتها الوعد الصدق و القول الحق.
فإذا ثبتت هذه المقدمة، فيتعين بعدها على كل معتن بالدين واثق بعقله أن ينظر فيما تعلقت به الأدلة السمعية، فإن صادفه غير مستحيل في العقل، و كانت الأدلة السمعية قاطعة في طرقها، لا مجال للاحتمال في ثبوت أصولها و لا في تأويلها- فما هذا سبيله- فلا وجه إلا القطع به.
و إن لم تثبت الأدلة السمعية بطرق قاطعة، و لم يكن مضمونها مستحيلا في العقل، و ثبتت أصولها قطعا، و لكن طريق التأويل يجول فيها، فلا سبيل إلى القطع؛ و لكن المتدين يغلب على ظنه