الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ٤٥
فاعلموا وقيتم البدع، أن من مذهب أهل الحق: أن الباري سبحانه و تعالى متكلم بكلام أزلي، لا مفتتح لوجوده.
و أطبق المنتمون إلى الإسلام على إثبات الكلام، و لم يصر صائر إلى نفيه، و لم ينتحل أحد في كونه متكلما نحلة نفاة الصفات في كونه عالما قادرا حيّا.
ثم ذهبت المعتزلة، و الخوارج [١]، و الزيدية [٢]، و الإمامية [٣]، و من عداهم من أهل الأهواء، إلى أن كلام الباري، تعالى عن قول الزائغين، حادث مفتتح الوجود.
و صار صائرون من هؤلاء إلى الامتناع من تسميته مخلوقا مع القطع بحدثه، لما في لفظ المخلوق من إيهام الخلق، إذ الكلام المخلوق هو الذي يبديه المتكلم تخرصا من غير أصل.
و أطلق معظم المعتزلة لفظ المخلوق على كلام اللّه تعالى، و ذهبت الكرامية إلى أن كلام اللّه قديم، و القول حادث غير محدث، و القرآن قول اللّه، و ليس بكلام اللّه؛ و كلام اللّه عندهم القدرة على الكلام، و قوله حادث قائم بذاته، تعالى عن قول المبطلين؛ و هو غير قائل بالقول القائم به، بل قائل بالقائلية، و كل مفتتح وجوده قائم بالذات، فهو حادث بالقدرة غير محدث؛ و كل مفتتح مباين للذات، فهو محدث بقوله: «كن» لا بالقدرة، في هذيان طويل، لا يسع هذا المعتقد استقصاؤه.
و غرضنا من إيضاح الحق و الرد على متنكبيه لا يتبين إلا بعد عقد فصول في ماهية الكلام و حقيقته شاهدا، حتى إذا وضحت الأغراض منها انعطفنا بعدها إلى مقصدنا. و قد التزمنا التمسك بالقواطع في هذا المعتقد على صغر حجمه، و آثرنا إجراءه على خلاف ما صادفنا من معتقدات الأئمة؛ و هذا الشرط يلزمنا طرقا من البسط في مسألة الكلام، و ها نحن خائضون فيه.
فصل
اعلم، أرشدك اللّه تعالى، أن المعتزلة و مخالفي أهل الحق قد تخبطوا في حقيقة الكلام.
و ها نحن نومئ إلى جمل من ألفاظهم، ثم نتعقبها بالنقض.
و مما ذكره قدماؤهم: أن الكلام حروف منتظمة، و أصوات منقطعة، دالة على أغراض
[١] اختلفت الخوارج حتى صارت عشرين فرقة، خرجوا على الإمام علي و قالوا بتكفيره و عثمان و أصحاب الجمل و الحكمين، و نادوا بالخروج على الإمام الجائر.
[٢] هي فرقة من الشيعة تدعي بأنها من اتباع زيد بن علي زين العابدين عليهما السلام مع أنه لم يرفض الخليفتين أبا بكر و عمر رضي اللّه عنهم.
[٣] خالفوا الزيدية و هم خمس عشرة فرقة كما في كتاب «الفرق بين الفرق» منها: الكاملية نسبة إلى أبي كامل الذي كفّر الصحابة لتركهم بيعة علي، و كفر عليا لتركه قتالهم. و المحمدية الذين ينتظرون محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب.