الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ٣٩
و هذا الذي ذكروه دعوى عريّة، فيقال لهم: بم تنكرون على من يزعم أن الحكم الواجب يتعلق بموجب واجب؟ و الحكم الجائز يتعلق بعلة جائزة؟
و أما استشهادهم بالوجود، فلا محصول له؛ فإنا لم نحكم بما قالوه لوجوب وجود القديم سبحانه و تعالى، بل قضينا به من حيث انتفت الأولية عن وجود الباري سبحانه، و ما لا أول له يستحيل أن يتعلق بفاعل، فإن لكل فعل مبتدأ؛ فاستحال لذلك تعلقه بفاعل، و استحال أيضا تعلقه بعلة، فإن الوجود لا يعلل شاهدا و غائبا.
ثم نقول لهم: قد عولتم فيما يعلل على الجوار، و قضيتم بأن الحكم إنما يعلل بجوازه، ثم عكستم الجواز و زعمتم أن الواجب لا يعلل، و ما ذكرتموه يبطل في الطرد و العكس.
فأما تعليل الجائز، فباطل بالوجود؛ فإنه جائز للحوادث، و هو غير معلل.
فإن قالوا: وجود الحوادث و إن لم يعلل فهو متعلق بالفاعل، و من حكم الجائز، أن يتعلق بمقتض، ثم قد يكون المقتضى علة، و قد يكون فاعلا؟ قلنا: الوجود عندنا حال للجوهر، و الجوهر كان في عدمه جوهرا، ثم طرأ عليه حال الوجود؛ فهلا زعمتم أن كون العالم عالما شاهدا حال يطرأ على الذات الموصوفة بخصائص الصفات، وجودا و عدما؟ و ذلك يقضي إلى نفي العلل شاهدا، و لا محيص عن ذلك.
و قولهم يستقل الواجب بوجوبه، يبطل عليهم بأشياء: منها، أن كون العالم عالما شاهدا إذا ثبت فقد التحق بالواجبات، من حيث لا ينتفي ما وقع حتى يصير كأنه لم يقع، فيجب أن لا يكون الحال الواقع معللا.
و الدليل على ذلك أصلان من مذاهب المعتزلة: أحدهما، أنهم قالوا: الحادث غير مقدور في حال حدوثه، و إنما تتعلق القدرة به قبل الحدوث؛ فكما استقل الحادث بالوقوع عن تعلق القدرة، فليستقل الحال عند الوقوع عن إيجاب العلة.
و الأصل الثاني، أنهم أثبتوا صفات سموها تابعة للحدوث، و زعموا أنها لا تقع بالقدرة لوجوبها، و عدّوا من ذلك تحيز الجوهر، و قيام العرض بالمحل.
و منها، كون العالم عالما المعلل بالعلم؛ فإذا ألحقوا الحال الذي فيه نزاعنا بالصفات الواجبة التابعة للحدوث، و أخرجوه عن كونه مقدورا و لم يخرجوه عن كونه معلولا، فدل مجموع ذلك على أن الوجوب لا ينافي التعليل.
و مما يبطل ما قالوه، أنهم طردوا الشرط شاهدا و غائبا، و حكموا بأن كون العالم عالما مشروط بكونه حيّا، ثم قضوا بذلك في كون الباري تعالى عالما قادرا؛ فإذا لم يفصلوا بين الواجب و الجائز في حكم الشرط، لم يسغ لهم الفصل في حكم العلة. و هذا القدر كاف فيما نبغيه.