الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ١١٤
تعداه. و ذهب ذاهبون منهم إلى أن الرب كلف الأرواح في ابتداء الفطرة ما لا مشقة فيه، ثم خالف من خالف و وفى من وفى.
و الغلاة من التناسخية [١] أنكروا الحشر و الآخرة، و قالوا: لا مزيد على تقلب الأرواح في الأجساد، على حكم العقاب، أو على حكم الثواب.
و أما المعتزلة فقد قالوا، لما سئلوا عن الآلام الحالة بالأطفال و البهائم، الآلام تحسن لأوجه:
منها أن تكون مستحقة على سوابق، و منها أن يجتلب بها نفع موف عليها برتبة بينة، و منها أن يقضي بها دفع ضرر أهم منها. و صاروا إلى أن آلام البهائم إنما حسنت، لأن الرب سيعوضها عليها في دار الثواب ما يربى و يزيد على ما نالها من الآلام. ثم صار معظمهم إلى أن العوض الملتزم على الآلام، أحط رتبة من الثواب الملتزم على التكليف. و اختلفوا في أن العوض هل يدوم دوام الثواب أم لا؟
و اضطربت أجوبتهم في أنه هل يتصور التفضل بمثل الأعواض ابتداء؟ فصار بعضهم إلى أن ذلك ممتنع، كما يمتنع التفضل بمثل ثواب التكليف. إذ ذاك مجمع على امتناعه، و صار من انتمى إلى التحصيل منهم إلى أن التفضل بأقدار الأعواض ممكن غير ممتنع. فمن قال بامتناع التفضل بأمثال الأعواض، جوز وقوع الآلام للتعويض المجرد؛ و من جوز التفضل بأمثال الأعواض، لم تحسن الآلام عنده لمحض التعويض، بل قال إنما يحسن بوجهين لا بد من اقترانهما: أحدهما التزام التعويض، و الثاني اعتبار غير المؤلم بتلك الآلام، و كونها ألطافا في زجر الغاوي عن غوايته.
و ذهب عبّاد [٢] الصيمري إلى أن الآلام تحسن بمحض الاعتبار من غير تقدير تعويض عليها.
فهذه أصول المعتزلة في إيلام البهائم و الأطفال. ثم من تمام أصلهم أن ما يحسن الألم لأجله لو علم، فإنه يحسن إذا اعتقد، أو غلب على الظن ما يحسن الآلام لأجله في عادات الناس قالوا:
و كذلك يحسن في عادات الناس العقلاء التزام المشقات، لتوقع منافع زائدة عليها و إن كانت عواقبها منطوية عن العباد، و علام الغيوب المستأثر بعلمها.
فصل
فأما الثنوية، فما قالوه من كون الألم ظلما قبيحا لعينه، باطل لا خفاء ببطلانه. فإنه نعلم أن المريض إذا شرب دواء بشيعا، كريه المشرب، و قصد بذلك درء الأمراض عن نفسه، فلا يعد ذلك
[١] هم القائلون بقدم العالم و يتناسخ الأرواح في الصور المختلفة، و أجازوا أن ينقل روح إنسان إلى كلب، و روح كلب إلى إنسان. منهم من كان قبل الإسلام و منهم ظهر في دولة الإسلام. انظر الفرق بين الفرق.
[٢] هو عباد بن سليمان، من الطبقة السابقة من المعتزلة، كان يمتنع من اطلاق القول بأن اللّه تعالى خلق الكافر لأن الكافر كفر، و إنسان، و اللّه تعالى لا يخلق الكفر و قال: النبوة جزاء على عمل و أنها باقية ما بقيت الدنيا. انظر الملل و النحل في الفرقة الهشامية.