الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ١١٠
ظهور المعجزات أن الدال على صدق من يجوز أن يبعث خوارق العادات، و نعتقد ذلك قبل اتفاق وقوع المعجزات، و دعوى النبوءات.
و ربما يشغبون بالرجوع إلى العادات و يقولون: العقلاء يستحسنون الإحسان و إنقاذ الغرقى و تخليص الهلكى، و يستقبحون الظلم و العدوان، و إن لم يحضر لهم سمع. و هذا تلبيس و تدليس؛ فإنا لا ننكر ميل الطباع إلى اللذات و نفورها عن الآلام، و الذي استشهدوا به من هذا القبيل و إنما كلامنا فيما يحسن في حكم اللّه تعالى و فيما يقبح فيه.
و الدليل على ما قلناه، أن العادات كما اطردت، على زعمهم في استقباح العقلاء و استحسانهم، فكذلك استمر دأب أرباب الألباب في تقبيح تخلية العبيد و الإماء يفجر بعضهم ببعض، بمرأى من السادة و مسمع، و هم متمكنون من حجز بعضهم عن بعض. فإذا تركوهم سدّى و الحالة هذه كان ذلك مستقبحا، على الطريقة التي مهدوها، مع القطع بأن ذلك لا يقبح في حكم الإله.
فإن قيل: هذا كلامكم في تتبع شبه المخالفين، فما دليلكم على ما ارتضيتموه؟ و لم غيرتم الترتيب و افتتحتم المسألة بذكر شبههم؟ قلنا: إنما حملنا على ذلك ادعاء خصومنا الضرورة في أصول التقبيح و التحسين؛ فلو فاتحناهم بمنهاج الحجاج، لردوه جريا على ما اعتقدوه من دعوى الضرورة في أصول التقبيح و التحسين.
فمن أصرّ منهم على دعواه، و هو مذهب كافتهم، فسبيل مكالمتهم ما مضى؛ و من انحط عن دعوى الضرورة احتججنا عليه، و قلنا: إذا وصف الشيء بكونه قبيحا، لم يخل ذلك من أمرين؛ إما أن يقال: كونه قبيحا يرجع إلى نفسه أو إلى صفة نفسه؛ و إما أن يقال: إنه لا يرجع إلى نفسه، و لا إلى صفة نفسه.
فإن قيل: إنه يرجع إلى نفسه أو إلى صفة نفسه، كان ذلك باطلا من أوجه؛ أقربها أن القتل ظلما يماثل القتل حدا و اقتصاصا، و من أنكر تساوي الفعلين و مماثلة القتلين فقد جحد ما لا يجحد، و التزم انتفاء الثقة بتماثل كل مثلين. و مما يوضح فساد هذا القسم، أن ما يصدر من العاقل لو صدر من صبيّ غير مكلف، فإنه لا يتصف بكونه قبيحا مع وجوده. و منهم من ينازع في ذلك و يزعم أن الصادر من الصبيّ غير المكلف قبيح؛ فإن قالوا ذلك، التقينا بالوجه الأول.
و إذا بطل كون القبيح قبيحا لنفسه، لم يخل القول بعد ذلك؛ إما أن يقال: معنى كونه قبيحا ورود الشرع بالنهي عنه، كما صرنا إليه، و هو الحق الصراح؛ و إما أن يقال: إنما يقبح لأمر غير الشرع و غير القبيح. فإن هم قالوا ذلك، قيل لهم: إذا لم يقبح الشيء لنفسه، و لم يحمل قبحه على تعلق النهي به، فيستحيل أن تقبح صفة لأجل صفة أخرى، و ليست تلك الصفة صفة للقبيح نفسية و لا معنوية. فثبت من مجموع ذلك بطلان تقبيح الفعل و تحسينه في حكم التكليف.
و قد تعدينا في هذا الفصل حد الاختصار قليلا، لما ألفيناه أصلا لكل ما يأتي بعده في أحكام