الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ١٢٢
و قدرنا تسليمه جدلا، قلنا لهم بعده: قد أوجبتم بعد التكليف الأصلح في الدين، فهلا أوجبتم الأصلح في أمر الدنيا! و أيّ فصل بينهما بعد الاختراع و خلق الملاذ و الشهوات؟
و نطرد عليهم شبهة للبغداديين يصعب عليهم موقعها، فنقول: مآخذكم العقول، و الرجوع إلى الشاهد. و معلوم أن من كان يملك بحارا لا تنزف و أودية خرارة غزيرة لا تنقطع، و لا حاجة به إليها؛ و بمرأى منه إنسان يلهث عطشا، و جرعة ترويه، فلا يحسن أن يحال بينه و بين ما يسد رمقه، و يقبح أن يجلي عن مشرع الماء، و إن لم يقبح ذلك فلا قبيح في العقل.
و الغرض من مساق هذا الكلام أن الأصلح في الدنيا بالإضافة إلى مقدور اللّه تعالى، أقل من غرفة ماء بالإضافة إلى البحار، فإنها متناهية و مقدورات اللّه تعالى لا تتناهى، و الواحد منا لا يتضرر بالبذل، و إن قلّ و غمض مدرك ما يخصه من الضرر، و الرب تعالى منزه عن قبول الضرر.
و هذا يلزم المعتزلة إذا حسّنوا بالعقول و قبحوا، و إن ألزمنا ما قالوه نقضناه على الفور بعقاب أهل النار، و قلنا: إذا أساء العبد شاهدا حسن العفو عنه في مكارم الأخلاق، مع تعريض السيد لضرر المغايظ عند ترك الانتقام و التشفي، فما بال العصاة مخلدون في الأنكال و الأغلال، و قد ندموا على ما قدموا، و الرب تعالى أرحم الراحمين؟
و مما يخص به البصريون فيه إيضاح باب يمكن إفراده. و هو أن نقول: قد أوجبتم بعد التكليف الأصلح في الدين، و حسّنتم التكليف لتعريضه المكلف للثواب الدائم، فإذا علم الرب تعالى أنه لو اخترم عبده قبل أن يناهز حلمه لكان ناجيا، و لو أمهله و أرخى طوله، و أقدره، و سهل له النظر و يسره لعند و جحد، فكيف يستقيم أن يقال أراد الرب الخير لمن علم ذلك منه؟ أم كيف يستجيز لبيب أن يقال الأصلح تكليفه، و لو اخترم لكان قد فاز؟ و عند ذلك تحق الحقائق، و تضغطهم المضايق.
و ها نحن نوضح الحق في هذا المجال بضرب مثال، فنقول: إذا علم الأب الشفيق أن ولده لو أمدّه بالأموال لطغى و آثر الفساد و تنكب الرشاد، و لو أقتر عليه لصلح؛ فلو أراد استصلاح ولده، فأمده بالمال، مع علمه بأنه يطغيه أو يرديه، فباضطرار نعلم أن التقتير أصلح له من السعة. و لو قال الوالد، و قد أمد ولده، و هيأ له عدده، و أحسن صفده: إنما قصدت أن أقيم أوده، مع علمي بخلاف ذلك، فلا خفاء بخروجه عن موجب العقل.
فإن قالوا: إنما لا يكون الأب ناظرا له، لأنه لا يحيط بمبلغ ما يعرضه له من الخير لو رشد في المآل، و الرب تعالى عالم بمبلغ ما يستوجبه المكلف من الثواب لو آمن. و هذا تلاعب بالدين؛ فإن العلم بمبلغ الثواب لا حكم له مع العلم بأنه لا يناله، فما يغني العبد علم الرب بمبلغ ثواب لا يناله.
و الذي يوضح الحق في ذلك، أنه يحسن من النبي عليه الصلاة و السلام الدأب على دعاء من أعلمه الرب تعالى أنه لا يؤمن، و إن كان النبي صلى اللّه عليه و سلّم ذاهلا عن مبلغ الثواب الذي يتعرض المكلف له.
و الذي يعضد ما قلناه، أن التكليف في حق من علم الرب تعالى أنه يكفر لو كان خيرا، لحسن ممن لم يبلغ مبلغ التكليف، و علم أنه لو بلغه لكفر، أن يرغب إلى اللّه تعالى في أن يبقيه حتى يكفر،