الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ٧٤
و الثالث: الإدراك المتعلق بالرّوائح، و الرابع: الإدراك المتعلق بالطعوم، و الخامس؛ الإدراك المتعلق بالحرارة و البرودة و اللين و الخشونة. و الحاسة في اصطلاح المحققين هي الجارحة التي يقوم ببعضها الإدراك، و قد يعبر بالشمّ و اللمس و الذوق عن الإدراكات تجوزا.
و هذه العبارات منبئة عند المحصلين عن اتصالات بين الحواس و بين أجسام تدرك، و يدرك أعراض لها. و ليست الاتصالات إدراكات و لا شرائط فيها، و إن استمرت العادات بها. و الدليل عليه أنك تقول شممت الشيء فلم أدرك ريحه، و ذقته فلم أجد طعمه، و لمسته فلم أدرك حرارته. و ذلك يحقق أنه ليس المراد بها في الإطلاق أنفس الإدراكات.
و عدّ أئمتنا رضي اللّه عنهم من الإدراكات وجدان الحي من نفسه الآلام و اللذات، و سائر الصفات المشروطة بالحياة. و لا سبيل إلى القول بأن وجدان هذه الصفات هو العلم بها؛ فإن الإنسان قد يضطر إلى العلم بتألم غيره، و يجد من نفسه الألم المختص به، و يفرق ببديهة عقله بين وجدانه ذلك من نفسه و بين علمه بألم غيره.
فصل
اتفق أهل الحق على أن كل موجود يجوز أن يرى. و ذهب المحققون منهم إلى أن كل إدراك، يجوز تعلقه بقبيل الموجودات في مجرى العادات، فسائغ تعلقه في قبيله بجميع الموجودات.
و المصحح لكون الشيء بحيث أن يدرك هو الوجود، و يطرد ذلك في جميع الإدراكات، على ما سنبينه بالحجاج إن شاء اللّه عز و جل.
و قد تتصل أطراف الكلام بما لا يستغني المسترشد عن الإحاطة به، و ذلك أن قائلا لو قال:
هل يجوز أن يدرك المدرك إدراك نفسه، فالمرضي عندنا أنه يجوز أن يدرك المدرك إدراك نفسه، و إن لم يدركه فإنما لم يدركه لمانع ينافي إدراك الإدراك، فيكون منعا منه و منعا من تقدير أن يدركه في نفسه.
و هل يجوز أن يتعلق إدراك الغير بإدراك غيره و موانعه؟ و هذا من الدقيق الذي لا يتأتى بسطه هاهنا.
فصل
كل ما يجوز أن يدرك فإذا لم يدركه المدرك. فإنما لم يدركه لقيام مانع به مضاد لإدراك ما يجوز أن يدركه. و تتعدد الموانع حسب تعدد تقدير الإدراكات، و هي متناهية الإعداد، إذ لا تنتفي النهاية عن أعداد المدركات.
و قد أنكرت المعتزلة الموانع التي أثبتناها مضادة للإدراكات. و زعموا أن الموانع منها القرب و البعد المفرطان، و عدم انبعاث الشعاع على شكل السداد، و عدم اتصاله بالمرئي. و الحجب الكثيفة