الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ١٠١
حكمه؛ فبينوا معاشر المعتزلة ما نسائلكم عنه و أوضحوا الوقت الذي تقرر الإرادة له، و الإرادة حادثة عندكم. فلا يكادون يضبطون في ذلك وقتا موقوتا، و لا يلقون لأنفسهم ثبوتا.
شبهة أخرى للمعتزلة فمما تمسكوا به، و في ذكره و الانفصال عنه تمهيد أصل متنازع فيه، أن قالوا: الأمر بالشيء يتضمن كونه مرادا للآمر، و يستحيل في قضية العقول أن يأمر الآمر بما يكرهه و يأباه؛ و كذلك النهي عن الشيء يتضمن كونه مكروها للناهي، و يستحيل أن يكون الناهي على حكم الحظر مريدا لما نهى عنه. و أكدوا ذلك بأن قالوا: الجمع بين الأمر الجازم، و بين إبداء كراهية المأمور به متناقض، و هو بمثابة الجمع بين الأمر بالشيء و النهي عنه؛ إذ لا فرق بين أن يقول القائل:
آمرك بكذا و أنهاك عنه، و بين أن يقول: آمرك بكذا و أكره منك فعله. و إذا تبين أن كل مأمور به مراد للآمر، فيخرج من ذلك كون الباري تعالى مريدا لإيمان من علم أنه لا يؤمن، لأنه آمر له بالإيمان.
و الجواب على ذلك من أوجه؛ منها أن يتبين أن ما استبعدوه، من كون الآمر كارها لما أمر به، غير بعيد شاهدا. و قد ضرب المحصلون لما نبغيه أمثلة، و نحن نجتزئ بواحد منها.
و هو أن الرجل إذا كان يؤدب عبيده، و يبالغ في ردعهم و قمعهم و يبرح بهم ضربا؛ فإذا استفاض خبره و اتصل بسلطان الوقت، و همّ بأن يزجره و يبالغ في تأديبه، فلما استحضره و بثّ إليه خبره قال معتذرا: إنما صدر مني ما صدر لاستعصاء عبيدي و تمردهم و إبدائهم صفحة الخلاف.
فاتهم السلطان أمره و لم يثق بما قاله، و بقي مستعر الصدر عليه، فرام سيد العبيد تحقيق مقالته و نفي الظن عن أحواله، و قال للسلطان: آية صدقي أني أستحضر عبيدي و آمرهم بمرأى منك و مسمع أمرا جازما تنتفي عنه جهات التأويلات؛ فإن هم خالفوني و عصوا أمري، استبان للملك صدقي؛ و إن أطاعوني، فأنا المتعرض لسخطه. فإذا استحضرهم، و أمرهم و نهاهم و زجرهم، فلا شك أنه يريد منهم أن يخالفوه ليتمهد عذره.
فإن قالوا: ما يصدر منه في الصورة المفروضة ليس بأمر على الحقيقة، و ليس الغرض منه اقتضاء الطاعة. قلنا: هذا جحد للضرورة فإن الأمر إذا بدر من السيد مقترنا بقرائن من أحواله قاطعة باقتضاء الطاعة، بحيث لا يستريب فيه العبيد، بل يضطرون إلى معنى الاقتضاء و موجب الطلب و الابتغاء، فكيف يمكن حمل الأمر المقترن بالقرائن على خلاف المعلوم من مقتضاه على البديهة و الضرورة؟ و كيف لا يكون الأمر كذلك، و إنما يتمهد عذر السيد إذا كان أمره جازما لا تردد في فحواه؟ و لو لم يكن الأمر كذلك، لم تقبل معاذيره، و لم يتسق تقديره.
و مما يدل على أن المأمور به لا يجب أن يكون مرادا للآمر، أصل النسخ؛ فإنه رفع للحكم بعد ثبوته، و يستحيل تقدير كون المنسوخ مرادا. فإن الواجب إذا حظر و حرّم، فيجب على أصل المعتزلة أن يعود ما كان مرادا مكروها، و ذلك غير سائغ في أحكام اللّه تعالى إجماعا، و هو دال لو ثبت على البداء، و الرب تعالى متقدس عنه. فإذا ثبت أن النسخ يصادف مأمورا به، و تقرر أن المراد لا ينقلب مكروها؛ فيخرج من مضمون ذلك، أن المأمور به أو لا لم يكن وقوعه مرادا للآمر.