الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ٤٠
فإذا ثبت مضمون الفصلين خضنا بعدهما في الحجاج. و نحن الآن نقيم على الخصوم ثلاثة أدلة، يفضي كل واحد منها إلى القطع، و اللّه المستعان.
فالطريقة الأولى، أن نقول: قد سلمتم لنا أن كون العالم عالما حكم ثابت للذات، كما أن كون المريد مريدا حكم ثابت للذات، ثم منعتم كون الباري تعالى مريدا لنفسه؛ و كل ما صدّكم عن ذلك في كونه مريدا فهو متقرر في كونه عالما، و يتضح الجمع بالسبر و التقسيم.
فنقول: امتناع كون الباري سبحانه و تعالى مريدا لنفسه لا يخلو؛ إما أن يستند إلى وجوب تعليل هذا الحكم غائبا، كما ثبت تعليله شاهدا؛ فإن كان الأمر كذلك، فيجيء من مضمونه تعليل كونه تعالى عالما طردا للعلة المقررة شاهدا، و إن كان ما ذكرناه في حكم الإرادة يستند إلى ما هذوا به، من أنه لو كان مريدا لنفسه لكان مريدا لكل المرادات، و قد أوضحنا إبطال ذلك عليهم عند كلامنا في حكم الإرادة.
فإذا بطل معلولهم في منع كون الباري تعالى مريدا لنفسه، فلا يبقى بعده إلا ما ذكرناه. و ليس يجري كون المريد مريدا مجرى كون الفاعل فاعلا، فإن للمريد بكونه مريدا حكما و حالا على التحقيق، و ليس للفاعل بكونه فاعلا حال؛ فهذه طريقة قاطعة فيما نلتمسه.
و الطريقة الثانية أن نقول: قد ثبت أن كون العالم عالما شاهدا معلل بالعلم، و العلة العقلية مع معلولها يتلازمان، و لا يجوز تقدير واحد منهما دون الثاني؛ فلو جاز تقدير كون العالم عالما دون العلم، لجاز تقدير العلم من غير أن يتصف محله بكونه عالما، و لا معنى لإيجاب العلم حكمه، إلا أنه يلازمه، فإنه لا يثبته إثبات القدرة مقدورها؛ فلو جاز ثبوت الحكم دون العلة لوجوبه، لجاز وجود العلة دون حكمها لوجوبها.
و العبارات المتداولة بين الأصوليين، أن تسمية العالم عالما تقتضي علة موجبة، موضوعة للتفاهم و الميز بين ذات و ذات، فإذا ثبت ذلك شاهدا وجب القضاء به غائبا.
و إن قالوا: كون العالم عالما شاهدا إنما يعلل لجوازه، فقد قدمنا ما يبطل ذلك في النفي و الإثبات.
فإن قالوا: كون العالم عالما غائبا على خلاف كون العالم عالما شاهدا، و إذا ثبت حكم معلل بعلة، فإنما يلزم تعليل مثل ذلك الحكم بالعلة طردا، قلنا: الوجه الذي يقتضي العلم شاهدا حكما، يقتضيه غائبا. و إذا اختلف العلمان فلا يثبت حكم الاختلاف لحكميهما من الوجه الذي يقتضي العلة معلولها لأجله؛ فإن العلم شاهدا يخالف العلم القديم عندنا، بكونه حادثا عرضا مختصا بمتعلق واحد إلى غير ذلك. و العلم بهذه الوجوه لا يوجب كون العالم عالما، و إنما يوجبه من حيث يكون علما، و ذلك ثابت شاهدا و غائبا. ثم ما ألزمونا في تباين الحكمين في حكم العلة، يلزمهم في تباينهما في حكم الشرط.