الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ١٢٧
و للبراهمة أسئلة يجب الاعتناء بها الآن. منها أن قالوا: خرق العوائد لا ينضبط، فإن ما يوجد على الندور مرة أو مرتين، لا يخرج عن قبيل الخوارق، و إذا تكرر و توالى صار معتادا، و لا ينضبط ما يلحقه بالمعتاد و يخرجه عن الخوارق، فالقول فيه مستند إلى جهالة.
و هذا لا محصول له، و هو تحويم على جحد ضرورات العقول بتخييل ليس له تحصيل؛ فإنا باضطرار نعلم أن إحياء الموتى و فلق البحر و ما شابههما ليس من الأفعال المعتادة، و عدم انحصار الأعداد التي تلحقها بالمعتاد لا يدرأ هذه الضرورة، و رب شيء لا تنضبط عدته و لا تكيف صفته، و إن كان معلوما باضطرار. و هذا بمثابة إفضاء الأخبار المتواترة إلى العلم الضروري بالمخبر عنه، فلو أردنا ضبط أقل عدد يحصل التواتر بأخبارهم لم نجد إلى ذلك سبيلا، و ليس عدد فيه أولى من عدد.
و أقصى ما نذكره أن الأعداد التي ورد الشرع بها في الشهود ليست عدد التواتر، ثم ليس لنا بعدها عدد يقطع به. و من خاطب غيره بما تحشّمه فغضب، استيقن على الضرورة غضبه. و لا يمكن ربط العلم بغضبه على احمراره أو صفة أخرى من صفاته، فإن كل صفة يشار إليها قد توجد في غير حالة الغضب.
و إن قالت البراهمة: في أصلكم أن خرق العوائد و قلبها مقدور للَّه تعالى، فليس من المستحيل أن تطرد عادة ثم يعهد مثلها، و لو اطردت لخرجت عن كونها معجزة. فإذا ادعى نبي الرسالة، و تشبث بما يخرق العادة، فما يؤمننا أن يكون ذلك أول عادة ستطرد، و لو اطردت لما كانت آية.
و القول في التّفصّي عن ذلك يطول.
و أقرب شيء في ردهم أن نقول: لو قال نبي آيتي أن يقلب اللّه عادة معتادة و يطرد نقيضها، لكان ذلك أحق المعجزات بالدلالة على النبوءات. و لئن دل نادر واحد مع عود العادة إلى الاطراد، فلأن تدل عادة مطردة على مناقضته التي سلفت أولى. ثم إن استمر تمويههم في نادر يتحدى به نبي، فما قولهم فيه إذا بدر منه ذلك النادر، ثم انطوت أيام و دهور، و لم يعهد لذلك النادر كرور، فقد خرج عن أن يكون ابتداء عادة عوادة.
و من أعظم شبههم في ذلك، أن قالوا: كيف يتيقن العاقل كون ما جاء به النبي خارقا للعادة، و قد استقر في نفسه ما اطلع الحكماء عليه من خواص الأجسام و بدائع التأثيرات، حتى توصلوا إلى قلب النحاس ذهبا إبريزا، أو جر الأجسام الثقال بالأدوات الخفيفة، إلى غير ذلك من بدائع الحكم و نتائج الفكر الثاقبة؟ هذا، و مما استفاض في البرية حجر له خاصيته في جذب الحديد، فما يؤمننا أن يكون مدعي النبوة قد عثر على سرّ من هذه الأسرار و تظاهر به؟
قلنا: هذا يجر إلى إنكار البداية و التشكك في الضروريات، و كل نظر يجر إلى دفع ضرورة فهو الباطل دون الضرورة. و بيان ذلك، أنا باضطرار نعلم أنه ليس في القوى البشرية و الفكر الحكمية إحياء العظام بعد ما رمت، و إبراء الأكمه و الأبرص، و قلب العصا حية تتلقف ما يأفك السحرة؛ و من جوز التوصل إلى مثل ذلك بالحكم، و درك الخواص فقد خرج عن حيز العقلاء.