الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ١٥٥ - في الطريق إلى المدينة
قال عروة بن الزبير: سمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة، فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يوما بعد ما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و أصحابه مبيضين يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته يا معاشر العرب، هذا جدكم الذي تنظرون، فثار المسلمون إلى السلاح [١].
قال ابن القيم: و سمعت الوجبة و التكبير في بني عمرو بن عوف، و كبر المسلمون فرحا بقدومه، و خرجوا للقائه، فتلقوه و حيوه بتحية النبوة، فأحدقوا به مطيفين حوله، و السكينة تغشاه، و الوحي نزل عليه: فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَ جِبْرِيلُ وَ صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ، وَ الْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ [التحريم: ٤] [٢].
قال عروة بن الزبير: فتلقوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فعدل بهم ذات اليمين، حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف، و ذلك يوم الإثنين من شهر ربيع الأول. فقام أبو بكر للناس، و جلس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) صامتا، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يحيى- و في نسخة: يجيء- أبا بكر، حتى أصابت الشمس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عند ذلك [٣].
و كانت المدينة كلها قد زحفت للاستقبال، و كان يوما مشهودا لم تشهد المدينة مثله في تاريخها، و قد رأى اليهود صدق بشارة حبقوق النبي: إن اللّه جاء من التيمان، و القدوس من جبال فاران [٤].
و نزل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بقباء على كلثوم بن الهدم، و قيل: بل على سعد بن خيثمة، و الأول أثبت، و مكث علي بن أبي طالب بمكة ثلاثا، حتى أدى عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) الودائع
- على نبوته ثلاثة عشر عاما كاملا عند من يقول: إنه أكرم بالنبوة في ٩ ربيع الأول في سنة ٤١ من عام الفيل، و أما من يقول: إنه أكرم بالنبوة في رمضان سنة ٤١ من عام الفيل فعنده يتم على نبوته- في ذلك اليوم- اثني عشرة عاما و خمسة أشهر و ١٨ يوما أو ٢٢ يوما.
[١] صحيح البخاري ١/ ٥٥٥.
[٢] زاد المعاد ٢/ ٥٤.
[٣] صحيح البخاري ١/ ٥٥٥.
[٤] صحيفة حبقوق (٣: ٣).